هل يخرج الأسد رابحاً من المساومة الأمريكية الروسية على سوريا؟

مع مرور أسابيع قليلة على الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في سوريا، والتي فاز فيها رأس النظام، “بشار الأسد”، يعلن مساعد الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي، “جيك سوليفان” استعداد الإدارة الأمريكية للتباحث مع روسيا حول تطورات الأوضاع السياسية في سوريا، ما طرح عدة إشارات استفهام حول إمكانية وجود تبدلات في الموقف الأمريكي من نظام “الأسد”.

كما يعتبر “سوليفان” في تصريحاته أن سوريا قضية استقرار استراتيجي، بما في ذلك مسألة وصول المساعدات الإنسانية، مضيفاً: ”سيكون من مصلحتنا إيجاد أساس للعمل مع روسيا، لكن يتعين على الولايات المتحدة أن تعلن بوضوح الإجراءات الضارة التي لن نتسامح معها، والتي سنقاومها”.

يشار إلى أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عام 2011 كانت قد تبنت، إعلاميا على الأقل، خيار إسقاط نظام “بشار الأسد”، وإحداث عملية انتقال سلمي للسلطة في سوريا مقابل رفع الحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا والشروع بعمليات إعادة الإعمار.

ما بعد ترامب ..

تعليقاً على التصريحات الأمريكية الجديدة، يعتبر المحلل السياسي، “حسام يوسف” أن موقف الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة “جو بايدن” أكثر ضبابية من موقف إدارة “دونالد ترامب”، لافتاً إلى أنه على الرغم من مرور أشهر على بدء الإدارة الأمريكية مهامها، إلا أنها لم تقدم حتى الآن أي موقف واضح تجاه النظام السوري.

كما يضيف “يوسف”: “يحاول بايدن أن يستخدم الورقة السورية لحلحة الكثير من الملفات العالقة مع روسيا خارج الحدود الوطنية لسوريا عن طريق المفاوضات وتبادل المصالح، سواء في النزاع القطبي والترسانة الصاروخية وقضية القرم والطاقة وغيرها، على عكس سياسة ترامب القائمة على الصدام”، مشيراً إلى أن سوريا لا تمثل أهمية استراتيجية كبرى للقوات الأمريكية في المنطقة في ظل امتلاكها قواعد عسكرية في تركيا والعراق.

في ذات السياق، يرى “يوسف” أن الإدارة الأمريكية قد تقدم إلى الروس عرضاً بإبقاء الأسد حتى نهاية ولايته الحالية والتخفيف من العقوبات المفروضة على النظام، مشيراً إلى أن إدارة “بايدن” تماطل كثيراً في تطبيق عقوبات قانون قيصر، المفروض على النظام منذ ما يزيد على العام بسبب جرائم حرب مرتكبة في سوريا.

يذكر أن الإدارة الأمريكية أعلنت خلال الشهر الجاري، إزالة مجموعة من العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على رجل الأعمال السوري المقرب من النظام، “سامر الفوز”، ما أثار جدلاً كبيراً في الأوساط السورية والأمريكية على حد سواء.

وعلى الرغم من أن واشنطن لم تعترف بالانتخابات الرئاسية الأخيرة في سوريا واعتبرتها غير شرعية، إلا أن الملف السوري يشهد تقلبات وتبدلات كبيرة في المشهد، على حد قول “يوسف”، لافتاً إلى أن الأمور قد تسير مرحلياً وبشكلٍ مؤقت لصالح النظام، ومن خلفه روسيا.

رهان التفاهمات والأقدار

موقف الإدارة الأمركية في حال تم تعديله من جهة عودة نظام “الأسد” إلى المجتمع الدولي، لا يمكن اعتباره نقطة الانتصار الأخيرة أو مؤشر البقاء الأبدي لحقبة آل الأسد السياسية، بحسب ما يراه الباحث في سؤون الشرق الأوسط، “محمود حاج علي”، مشيراً إلى أن التغيير في سوريا سيقوده الروس وليس الأمريكان، وأن أي بقاء “لبشار الأسد” لن يكون سوى لتمهيد الاجواء لانتقال سياسي على المدى الطويل جداً، وليس على المدى القصير بحسب ما كانت تطالب به الإدارات الأمريكية السابقة.

إلى جانب ذلك، يشدد “حاج علي” على أن المسألة السورية باتت عملياً رهينة تفاهمات دولية على قضايا عالمية شائكة، إلى جانب كون حلها لن يرتبط فقط بالتطورات الحاصلة على ترابها أو رغبة شعبها، وإنما ستكون مرتبطة بحلحلة أزمات في مناطق أخرى من العالم، لافتاً إلى أن الولايات المتحدة لن تقبل ببقاء “بشار الأسد” ولكنها ستعرض على الروس موافقة واشنطن على تغيير سياسي تقوده موسكو في سوريا ويتناسب مع مصالحها، بما ينهي حكم “الأسد”.

ويلفت “حاج علي” إلى أن روسيا لديها حسابات كثير في سوريا لتصفيتها قبل تصفية “الأسد” سياسياً، في مقدمتها الوجود الإيراني وفوضى السلاح وتشعب الفصائل المسلحة وانتشار القوات التركية في مناطق عديدة من البلاد، مرجحاً أن تقبل موسكو بأي تسوية تطرحها واشنطن إذا ما كانت ستترك لروسيا رسم شكل وآلية التحول السياسي في سوريا.

كما يشير “حاج علي” إلى أن الوضع العسكري، هو أكثر ما يدفع باتجاه إمكانية أن تقبل واشنطن وموسكو بفرضية الإبقاء على “الأسد” بشكل مؤقت في السلطة، موضحاً: “كلا الجانبين لديهما تخوفات من إمكانية تكرار السيناريو العراقي في سوريا في حال إسقاط النظام قبل إعادة تنظيم الوضعية العسكرية، والحد من نفوذ إيران داخل المؤسسة العسكرية والأمنية السورية، تحديداً في الفرقة الرابعة، التي تعتبر من أهم وأكبر القطع العسكرية التابعة لقوات النظام”.

تخفيف القبضة لدواعي إنسانية

الحديث عن الموقف الأمريكي الحالي من سوريا، يمر بحسب المحلل السياسي “عبد القادر منصور” أيضاً من الحالة الإنسانية في سوريا، وتصاعد معدلات الفقر والجوع وتحذيرات الأمم المتحدة من دخول سوريا في مرحلة المجاعة، بعد أن تجاوز معدل الفقر 83 بالمئة من السوريين، مشيراً إلى أن إدارة “بايدن” تتعامل مع ملف العقوبات الأمريكية على النظام السوري بمنطق أكثر واقعية من إدارة “ترامب”، كونها تعتقد بأن العقوبات لن تؤثر على النظام والمتنفذين فيه بقدر تأثيرها على الشعب السوري.

في ذات السياق، يرجح “منصور” أن تتجه واشنطن خلال الفترة القادمة إلى الإبقاء على العقوبات ولكن مع الإبطاء في آليات تطبيقها على أرض الواقع، موضحاً أن الإدارة الأمريكية الحالية بدأت بالفعل بالتعامل بشكل مغاير وأكثر منطقية وواقعية مع الملف السوري.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.