هل يصلح الجهاد الإسلامي ما أفسدته حماس في غزة؟

من جديد وبعد ما يزيد عن 14 عاماً منذ آخر انتخابات تشريعية شهدتها فلسطين، تعود العيون مجدداً لتتسمر باتجاه الأراضي الفلسطينية، بالتزامن مع التحضير للانتخابات العامة، التي من المقرر أن يتم إجراؤها خلال الأشهر القادمة.

الاهتمام بالانتخابات الفلسطينية وخصوصيتها لا تأتي هنا من وضعها الاستثنائي كقضية محورية بالنسبة للعالم العربي؛ بل في حجم الآمال المعقودة عليها لإنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي وتحديداً بين حركتي فتح وحماس، والذي بدأ عقب انتخابات 2006 ليستمر حتى اليوم، خاصةً مع سيطرة حركة الحماس على قطاع غزة وطرد موظفي السلطة الفلسطينية منه، الأمر لم يؤدي فقط لتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة بين الأخوة وحسب، وإنما أوقع القطاع في براثن حصارٍ خانق فرضته إسرائيل؛ بعد ما منحها انقلاب حماس فرصة ذهبية لخنق الناس هناك، لا سيما في ظل تمسك الحركة وقياداتها بالسباحة في فلك إيران وميليشياتها.

تحرك مفاجئ

ووثق المرصد من بعض المصادر الصحافية العربية، تصاعدُ الآمال في إنهاء الانقسام لم يكن نابعاً من تفهم قيادات حماس لحساسية وحرج الوضع الذي يعيشه قطاع غزة وشعبه، ولا من مراجعتها لسياستها التي جعلت منها بشكلٍ أو بآخر جزءاً من المشروعين الإيراني والتركي دفعة واحدة، وإنما نبع من إمكانية أن تحل حركة الجهاد الإسلامي مكان حماس على رأس السلطة في غزة بعد الانتخابات، لا سيما في ظل ما أبدته الحركة من مرونة وتقبل للتسويات السياسية مع أجهزة السلطة التابعة لحركة فتح.

مصادرُ مطلعةٌ على اللقاءات الأخيرة التي عقدتها قيادات حركة الجهاد الإسلامي في العاصمة المصرية القاهرة مع مسؤولين مصريين؛ أعربت عن تفاؤلها في أن تصلح الحركة ما أفسدته حماس طيلة ما يزيد عن 14 عاماً، مؤكدةً أن وفد الجهاد خلال المباحثات تطرق إلى الأمور المعيشية والحياتية للسكان وسبل تخفيف الحصار على قطاع غزة، بعيداً عن التحالفات الإقليمية والسياسية، وفق ما نقلته صحيفة العرب.

إلى جانب ذلك، وكنقطة ذات أهمية كبرى؛ لفتت المصادر إلى أن حركة الجهاد خلال لقاءاتها ركزت على الجانب الفلسطيني الداخلي والعلاقات الفلسطينية – الفلسطينية والعربية – الفلسطينية، مضيفةً: “من المهم جداً في الوقت الحالي أن يستعيد القطاع عمقه العربي، خاصةً وأن إيران قد تستخدم حماس في وقتٍ لاحق لإحداث أي مشكلات مع إسرائيل بهدف إشعال حرب بين الجانبين؛ تخفف من الضغوط المفروضة على طهران”.

14 عاماً ولم ينته الدرس

قد لا يكون من المبالغة القول بأن الـ 14 عاماً الأخيرة، التي مرت على قطاع غزة هي من أصعب السنوات التي عاشها الشعب الفلسطيني طيلة سنوات النكبة، أو على الأقل واحدة من أصعبها، خصوصاً وأن حماس لا تزال متمسكة حتى اليوم بالرهان على إيران وتركيا في حلحلة أمورها الداخلية.

أولى ملامح تلك الأعوام والمأساة التي لحقت بالقطاع وفقاً للجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء؛ تكمن في معدلات الفقر التي تجاوزت نسبة الـ 80 في المئة حتى مطلع العام الحالي، بالتزامن مع ارتفاع معدل البطالة إلى 52 في المئة حتى الفترة ذاتها.

كما تزداد ملامح الأزمة، التي تشرح الحالة الإنسانية في القطاع؛ مع ارتفاع معدلات العاملين؛ الذين يتقاضون أجوراً شهرية تقل عن الحد الأدنى للرواتب؛ إلى نسبة 70 في المئة، بحسب ذات المصدر؛ الذي قدر الحد الأدنى للأجور في غزة بـ 150 دولار أمريكي تقريباً.

إلى جانب ذلك، يبرز الدمار الذي أتى على نسبة كبيرة من البنى التحتية جراء الحروب، التي اندلعت بين حماس وإسرائيل؛ والتي كان أعنفها عامي 2009 و 2014.

محللون سياسيون، وأمام هذه الإحصائيات والأوضاع المتدهورة؛ توقعوا أن تتواصل الحالة الاقتصادية والإنسانية في القطاع بالتراجع، خاصة وأن حماس تتجاهل مسألة حياة المواطن، وتركز على مسائل تمويل وتسليح الحركة عبر إيران وتركيا اللواتي حتى اليوم لم تقدما أي حل ملموس للازمة الإنسانية، سوى بعض الأموال القادمة من قطر والتي تستلمها الحركة وتنفقها بشكل كيفي.

وأضاف المحللون: “حماس إلى الآن لم تعلم أن قوة غزة تكمن في عمقها العربي وعلاقاتها العربية، التي قد تكون أولى خطوات فك الحصار عن الشعب الفلسطيني، طيلة الأعوام الماضية لم تدرك الحركة ومسؤولوها أنهم باتوا جزء من مشروعين لا يختلفان عن المشروع الإسرائيلي الذي تقول بأنها تقاومه”، مشيرين إلى أن سياسات الحركة لم تفقدها شعبيتها على الساحة الفلسطينية وحسب، وإنما حتى في الشارع العربي، تحديداً مع استمرارها بدعم إيران وتركيا والانخراط في أجندتهما، بالرغم من مئات المجازر التي ارتكبوها بحق الشعب السوري والعراقي واليمني خلال السنوات القليلة الماضية.

لعبة السياسة ودهاليز التحالفات

في الواقع كثيرةٌ هي الانتقادات التي طالت حماس خلال فترة سنوات حكمها لغزة بقوة السلاح، بدءاً من قمع المظاهرات، وممارسة سياسة حلفائها في إيران وتركيا عبر رفع الشعارات والهتافات الرنانة ضد ما يصفوه بـ”العدو” أو “العدوان” أو المؤامرات في بعض الأحيان، ولكن يبقى الانتقاد الأكبر قادماً من كون أن الحركة لا تمارس السياسة واللعبة السياسية بقدر كونها تضع القطاع والشعب الفلسطيني في متاهات التحالفات والمشاريع الإقليمية، وخاصة الإيرانية منها.

ووفقاً لمراقبين فلسطينيين؛ فإن قيادات الحركة المقربة من الإخوان المسلمين تفتقر للقدرة على قراءة المشهد السياسي ومتطلباته، وهو ما دفعها على سبيل المثال لكسر التوجه العربي بإدانة التدخل التركي في سوريا الذي أتى من داخل الجامعة العربية، وذلك من خلال تصريحات قيادييها، الذين أكدوا دعمهم للعملية التركية واعتبارها حق مشروع لأنقرة، دون النظر لضرورة وأهمية وحدة الموقف العربي الرسمي والشعبي.

وهنا يضيف المراقبون: “الأمل في أن تكون حركة الجهاد بديلاً جيداً لحماس في غزة، وأن تكون واحدة من أوراق المصالحة وإنهاء الانقسام، يأتي من موقفها المعلن الذي أدان العملية التركية واعتبرها عدواناً على سوريا، الأمر الذي يشير إلى وجود تبدلات وتباينات بين الحركتين وطريقة تفكيرهما وحتى أجنداتهما”، لافتين إلى أن استقرار الجهاد على هذا الموقف قد يساعد إلى حد كبير في إنها الأزمة الانسانية للقطاع ومن فيه، وتحديداً فيما يتعلق بقطع العلاقات مع إيران وهو الذي يعتبر مطلباً إسرائيلياً أساسياً لفك الحصار.

تعليقاً على التباينات والتوازنات السياسية بين الحركتين الفلسطينيتين، أشار أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، “أيمن الرقب” إلى أن حركة الجهاد اعتادت وقت الأزمات الكبيرة على استغلال الموقف وسحبِ رصيدٍ من شعبية حماس في الشارع الفلسطيني والعربي على حدٍ سواء، لافتاً إلى أنها “أي حركة الجهاد” تجيد هذه اللعبة عندما تكون أمامها فرصة سياسية؛ كما هو الحال اليوم.

وأضاف “الرقب”: “الجهاد أنهت في ما سبق احتكار حماس للمقاومة، بل يمكن الاعتماد عليها كركيزة أساسية في المستقبل، فهي أقلّ مراوغة، وإن كانت بالنسبة للقاهرة حليفا غير إستراتيجي حتى الآن، لكن يمكن الوصول معها لتفاهمات تكتيكية حول القضي الفلسطينية”، مشيراً إلى إمكانية أن يلعب قادة الجهاد الإسلامي دور الوسيط في مسألة الانتخابات وإنجاحها، عبر تقديم نفسها كطرف محايد مع مصر، بحيث تساعد من خلال ذلك على حسم ملفات كثيرة، أبرزها آلية الانتخابات في القدس، وكيفية إشراف الحكومة على الانتخابات في غزة في ظل منع حماس لكوادر فتح من دخولها.

وكان عضو اللجنة المركزية لحركة فتح “حسين الشيخ” قد أعلن أن الرئيس الفلسطيني “محمود عباس” سيحدد في وقتٍ لاحق موعداً لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وذلك بعد أن تنهي لجنة الانتخابات المركزية الخاصة بالانتخابات مشاوراتها.

وفي تغريدة له على موقع تويتر، أشار “الشيخ” إلى أن “عباس” سيكون مرشح الحركة الوحيد للانتخابات الرئاسية القادمة التي ستجرى للمرة الأولى منذ العام 2005، بعد وفاة الرئيس الراحل “ياسر عرفات”.

ووفقاً لمصادر مطلعة؛ فإن الرئيس الفلسطيني قد كلف مطلع الشهر الحالي، لجنة الانتخابات الفلسطينية المركزية باستئناف الاتصالات مع “القوى والفعاليات والفصائل والجهات المعنية”، وبالتحضير لإجراء الانتخابات التشريعية، على أن يتبعها بعد بضعة أشهر الانتخابات الرئاسية.

وكانت الساحة الفلسطينية قد شهدت حالة انقسام واقتتال داخلي بين حركتي فتح التي فاز مرشحها بالانتخابات الرئاسية الماضية عام 2005، وحركة حماس المحسوبة على الإخوان المسلمين التي فاز مرشحوها بالانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، الأمر الذي أدى إلى اشتعال صدام مسلح خلف وراءه عدد من الضحايا المدنيين وسط غضب فلسطيني وعربي من تلك الأحداث.

وفي العام 2007 أعلنت حركة حماس السيطرة على قطاع غزة بالكامل وشكلت حكومة خاصة بها، ما قاد إلى قطيعة كاملة بين شقي السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية الواقع تحت سيطرة حركة فتح، وقطاع غزة تحت حكم حماس، والذي تعرض منذ ذلك الوقت لحصار إسرائيلي خانق، جعل منه أكبر سجن مفتوح في العالم على حد وصف الكثير من المنظمات الحقوقية في العالم.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي.