هل ينتشل الأردن لبنان من براثن الاحتلال الإيراني؟

في الوقت الذي يتدفق المازوت الإيراني إلى لبنان، لم يتوانى الأردن عن تقديم التسهيلات لمدّ لبنان بالكهرباء عبر أراضيه، لأنه يعلم جيداً أن “الصهاريج الإيرانية”، ليست من الباب الإنساني، إذ تحاول طهران تثبيت نفوذها في المنطقة لتصل إلى الحدود الأردنية والدخول إلى بلد عربي جديد، في ظل التحذيرات من خطر “الهلال الشيعي” واستهداف أمن واستقرار المملكة الأردنية الهاشمية.

استقدام “حزب الله” الوقود من طهران أثار جدلاً سياسياً وتساؤلات كثيرة، اذ سبق للسلطات اللبنانية التأكيد مرارا أنها ملتزمة في تعاملاتها المالية والمصرفية وعدم خرق العقوبات المفروضة على طهران، في خضم أزمة محروقات حادة تعاني منها البلاد وتراجع القدرة المالية على الاستيراد وسط انهيار اقتصادي متسارع.

الأردن والرعاية العربية..

بعد زيارة أجراها وفد لبناني رسمي إلى دمشق الأسبوع الماضي، اجتمع وزراء الطاقة في الأردن ومصر وسوريا ولبنان في عمان، للاتفاق على خارطة طريق لنقل الغاز المصري برا إلى لبنان وتشغيل معامل إنتاج الكهرباء، وإمداده بالطاقة الكهربائية من الأردن الذي يستورد بدوره الغاز المصري لإنتاج الطاقة وكان يزود بها سوريا في الماضي.

كما جاءت موافقة “واشنطن” على نقل الغاز عبر سوريا بعد وقت قصير من إعلان “حزب الله” أن “سفينة أولى” محملة بالمازوت ستتوجه من إيران إلى لبنان، الامر الذي أثار جدلاً سياسياً وتساؤلات حول ما يعنيه استقدامها، لجهة خرق العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، الداعم الأول لميليشيا “حزب الله”.

الكاتب “آلان سركيس”، يرى أن “الاشمئزاز الخليجي من القادة اللبنانيين مستمرّ لكن الوضع في الأردن مختلف تماماً إذ لا تريد عمان التسليم بخسارة عاصمة عربية جديدة ووقوعها تحت الاحتلال الفارسي، أو ترك أبوابها مشرّعة للتدخلات والطموحات التركية”، مؤكداً أن “القيادة الأردنية تعلم جيداً أن لبنان واقع تحت الاحتلال الإيراني، والعمل الديبلوماسي الواسع النطاق قادر على إعادة التوازن في لبنان والمنطقة، لذلك فان عمان لا تقصّر في هذا المجال بل إنها تضغط من أجل المساعدة وانتشال البلد من أزماته”.

وتعتبر العلاقات اللبنانية – الأردنية تاريخية ومميزة على رغم عدم امتلاك المملكة الهاشمية مقومات اقتصادية كبيرة ونفوذ مثل بقية الدول العربية، اذ نجح الملك “عبدالله الثاني” في وضع بلاده على الخريطة السياسية العالمية، وبعلاقاته الدولية الواسعة يستطيع أن يلعب دوراً محوراً كبيراً في المنطقة.

يشار إلى أن “الملك الأردني طلب مساعدة لبنان في المحافل الدولية، اذ قال خلال لقائه مع الرئيس الأميركي “جو بايدن”: “لا تتركوا لبنان لقدره”، في دلالات على مدى الاهتمام الأردني بالملف اللبناني، وقدم رؤية صريحة وبرنامجا واضحا، تقوم على انتشال لبنان وانتزاعه من براثن دول وتنظيمات ومليشيات لا تعمل في صالح المنطقة العربية، مطالبا باتخاذ إجراءات فورية وسريعة قبل فوات الأوان.

ولفت الكاتب “سركيس” إلى أن “أي نار قد تشتعل في لبنان نتيجة الأزمات المتلاحقة لن ترحم أحداً، لذلك فان عمان تنظر بعين الأمل إلى تأليف الحكومة اللبنانية الجديدة لعلها تعيد التوازن السياسي إلى البلاد وتباشر بإجراء الإصلاحات الضرورية ووقف مسلسل الانهيار”، موضحاً أن “لبنان يعاني من غياب الرعاية العربية خصوصاً بعد العام 2016 عندما امتناع لبنان عن التصويت في اجتماع وزراء الخارجية العرب على إدانة الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، وعندها بدأت القطيعة العربية الفعلية، ولم تقتصر على الرياض لوحدها بل جرّت كل العواصم الخليجية”.

ضمانات نظام الأسد..

في المقابل، عكست زيارة وزير دفاع النظام السوري “العماد علي أيوب” إلى عمان يوم الأحد الفائت، تغير الموقف الأردني من النظام السوري لقطع الطريق أمام تمدد الميليشيات الإيرانية، اذ اعتبر الخبير العسكري الأردني “مأمون أبو نوار”، أن “اللقاء تضمن ضمانات، لحماية أنابيب الغاز وشبكة الكهرباء المتجهة نحو لبنان، بالإضافة إلى تنسيق بين القيادتين العسكريتين في البلدين، للحد من عمليات التهريب العابرة للأراضي السورية نحو الأردن”، موضحاً أن “ذلك جاء بسبب القلق الأردني من تواجد هذه الميليشيات قرب حدوده”.

بدوره، أوضح مصدر مطلع أن “عملية الربط الكهربائي مع لبنان لن تتم قبل الربع الثاني من العام المقبل، بسبب اعمال الصيانة من قبل الجانب السوري للشبكة الكهربائية ضمن حدودها التي قد تستغرق عدة شهور”، مشيراً إلى أن “الأردن مستعد حاليا لتزويد لبنان بحاجته من الكهرباء، غير ان سبب التأخير يأتي لتلف أجزاء من الشبكة الكهربائية بسبب الاحداث الأمنية على مدار السنوات الماضية”.

وأضاف المصدر، أن “الجانب السوري بين أن اصلاح شبكة الكهرباء والتي تربطه مع لبنان تحتاج الى مدة 6 شهور على أقل تقدير، والأردن لن يبخل في تقديم كافة الخبرات التي يمتلكها في عملية اصلاح الخط الواصل مع شبكة الكهرباء اللبنانية”.

إلى جانب ذلك، لفت الخبير العسكري الأردني “مأمون أبو نوار” إلى أن “زيارة أيوب حملت تطمينات بشأن تواجد الميليشيات الإيرانية قرب الحدود البرية بين سوريا والمملكة”، لافتاً إلى أن “نظام الأسد حمل ضمانات إلى عمّان، بأن الميليشيات الموالية لإيران لن تعبث بأمن الحدود البرية بين الأردن وسوريا”.

وكان “الملك عبد الله الثاني”، قد كشف في مقابلة مع شبكة “سي ان ان”، تموز / يونيو الماضي، عن هجوم تعرضت إليه الحدود الأردنية بطائرات مسيّرة إيرانية، مؤكداً أن “الأردن هوجم بطائرات مسيرة تبين أنها تحمل تواقيع إيرانية وكان علينا التعامل معها”.

وأغلقت الأردن الذي تربطه مع سوريا حدود تمتد على طول 375 كم، معبر جابر – نصيب بين البلدين بعد انتفاضة الشعب السوري في وجه نظام الأسد، وأعيد فتحه أواخر عام 2018، إذ يعد شرياناً اقتصاديّاً مهماً لهما باتجاه دول الخليج، فقد أدى إغلاقه إلى تراجع التبادل التجاريّ بين البلدين إلى 108 ملايين دولار عام 2020 بعدما كان حجمه نحو 615 مليون دولار عام 2010.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.