هل يوقف الضغط الفرنسي التدخل التركي في ليبيا بعد واقعة البحر؟

هيئة التحرير

تذهب معظم المؤشرات إلى أن التوتر التركي-الفرنسي بسبب الموقف من تطورات الوضع في ليبيا، ستدخل طوراً جديداً منذ اتهام باريس لأنقرة بتعرض إحدى سفنها المشاركة في مهمة للحلف الأطلسي في البحر المتوسط لعمل «عدواني للغاية» من قبل زوارق تركية، وإن استمرت باريس في الضغط وتحويل الموضوع إلى تحقيق وبحث، فإنه قد يكون نقطة تحوّل بالنسبة لحلف الشمال الأطلسي، حتى لو قدمت تركيا مبرراتها التي لم تقنع الفرنسيين، حين اعتبرت أن ما حدث في البحر المتوسط «مجرد سوء تفاهم»،

وهذا التوتر لن يقف امتداداته عند حدود البلدين أو ليبيا فقط؛ وإنما قد يمتد إلى الدول المغاربية المجاورة، ما يعني أن فرنسا لن تسمح بذلك بسهولة، لأن هذا أمر سيقلقها وسيهدد نفوذها التي تتباهى فيه هناك تاريخياً وتقليدياً، والفرقاطة الفرنسية التي تعمل تحت قيادة حلف الشمال الأطلسي، التي حاولت إيقاف سفينة شحن في شرق البحر المتوسط، من أجل التفتيش، ما تزال قيادتها مصرّة أنها كانت تهرّب السلاح إلى ليبيا بأمر من تركيا، وذلك في انتهاك صارخ لحظر سلاح تفرضه الأمم المتحدة.

جاء التأكيد الفرنسي، حين أعلنت وزارة القوات المسلحة الفرنسية، أن ثلاث سفن تابعة للبحرية التركية كانت ترافق سفينة الشحن تحرّشت بالفرقاطة، وقالت إن «سفينة تركية أضاءت أنوار رادارها وارتدى طاقمها سترات واقية من الرصاص ووقفوا يشهرون أسلحتهم الخفيفة»، وهذا ما يكذّب الرواية التركية من السفينة كانت تحمل مساعدات إنسانية، لأن هكذا الحمولة لا تطلب مرافقة وحماية عسكرية بهذا الحجم!

تحقيق سري

التوتر والاتهامات المتبادلة، والادعاءات التركية، أجبر حلف الأطلسي، بإعطاء الأوامر بفتح تحقيق لكن وصف بـ«سرية المضمون» ودون تقديم أيّة توضيحات عن النتائج التي توصل إليها، وكانت المفاجأة حين تحدث دبلوماسيان أوروبيان لوكالة «رويترز» من أن فرنسا بعثت برسالة للأمين العام لحلف الأطلسي، ينس ستولتنبرج، في أوائل تموز/ يوليو الجاري، تقول فيها إن التقرير «لم يثبت الحقائق بشكل صحيح». هذا الحديث أثبت أن باريس لم تقتنع بنتائج التحقيق، لا بل يؤكد أنها تشكّ في الطريقة المتبعة كلها، وقولها إن «الاشتباه في تهريب أنقرة السلاح لليبيا أخطر من أن يجري تجاهله»، اتهام مبطن للجنة التحقيق أن هناك تجاهل من الحلف لنقل تركيا السلاح والمقاتلين إلى ليبيا.

لم تكتفِ فرنسا عند هذا الحد؛ بل علقت مشاركتها في بعثة الحلف في البحر المتوسط «سي جارديان» وعرضت بدلاً من ذلك أصولها على بعثة للاتحاد الأوروبي، تعمل على التأكد من تنفيذ حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة لكن لا تشمل سفناً تركية. والتصريح الأقوى في هذا السياق صدر عن مسؤول من وزارة القوات المسلحة الفرنسية، طلب من «رويترز» عدم نشر اسمه بسبب خطورة الكلام وحساسيته، متسائلاً: «ماذا تفعل عندما يكون لديك مهمة تفتيش تابعة لحلف شمال الأطلسي… وأحد أعضاء الحلف هو من يقوم بالتهريب، وهو يقول إنه ينفذ الحظر؟»، ما قاله المسؤول لا يحتاج إلى أيّة تأويلات، وواضح توجيه الاتهام لتركيا واللجنة معاً.

الضغط الأمريكي الخجول

قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، إن تركيا «تسير في الاتجاه الخاطئ». وزعم الوزير أنه عاد وحث الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي تربطه علاقات وثيقة مع نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، في شهر أيار/ مايو الماضي، على أن يطلب منه المساعدة في تخفيف التصعيد في الصراع الدائر في ليبيا. إلا أن مصادر تركية مطلعة من المعارضة قالت لـ«مرصد مينا» إن الضغط الأمريكي على تركيا، كان خجولاً في الموضوع الليبي، موضحة أن واشنطن «ربطت عملية التواصل مع الأتراك في هذا الخصوص من خلال الطلب منها لإلغاء ما تبقى من صفقات مع روسيا وخاصة المتعلقة بمنظومة صواريخ إس-400 وأن الحفاظ على شكل العلاقة معها يتوقف على مدى تجاوبها في الأمور التي تطلبها واشنطن بتنفيذها»، مؤكداً أن «تأخير استلام تركيا الدفعة الثانية من هذه الصواريخ لم يكن سببه الأمور التقنية، بل تدخل ضمن هذه المساومات».

فرنسا ستطالب بفرض عقوبات

وفق التصريحات الفرنسية، فإنها لن تتوقف عن مطالبها المحقة، وما بين لغة التصعيد تارةً، والهدوء تارة أخرى، قالت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، في 2 تموز/ يوليو الجاري، إن على «الحلف أن يحمل أنقرة على إدراك إنها ليس بإمكانها انتهاك قواعد الناتو». مقابل هذا أشار دبلوماسيين فرنسيين إلى أنهم لا يتطلعون إلى طرد تركيا، وليس لديهم النيّة في ذلك، كاشفين أن الحلف أصلاً لا يمتلك أيّة آلية رسمية لمعاقبة الأعضاء أو طردهم. لكن هذا لا يعني أنه ليس بإمكان الحلف تهديد تركيا بسحب أصول منها مثل رادار أو صواريخ باتريوت أو طائرات نظام الإنذار المبكر والتحكم التابعة له.

وما نقلته وكالة «رويترز» عن وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، يدخل ضمن نطاق عدم اقتناع فرنسا بأن يصدر أيّ شيء من الحلف بحق تركيا، إذ أكدت الوكالة أن الوزير سيطلب من نظرائه في الاتحاد الأوروبي، دراسة فرض عقوبات على أنقرة أثناء اجتماع عبر الفيديو سيعقد في 13 تموز/ يوليو القادم، أي بعد نحو أسبوع من الآن، بعد أن ملت من لجان التحقيق الأخرى، التي لم تعمل بالشكل المطلوب.

ويبقى وفق الرؤية الفرنسية، أن يحدد أعضاء الحلف الثلاثون، تجديد التزامهم باحترام حظر السلاح الذي تفرضه الأمم المتحدة على ليبيا، وضمان ألا تستخدم لافتات الحلف خلال البعثات الوطنية، وتحسين التنسيق بين بعثات الحلف وبعثات الاتحاد الأوروبي في البحر المتوسط، وتجنب وقوع أحداث مماثلة في المستقبل، وإن لم تنفذ النقاط الثلاث الآنفة، فإن المتوقع وفق ما يراه العديد من المحللين أن يحصل انقسام في الحلف بسبب تركيا وسلوكها في مساعدة الميليشيات الليبية بالمال والسلاح في انتهاك صارخ للاتفاقات والقرارات الدولية.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا©