على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية الصارخة بين اليسار الأوروبي وأحزاب الإسلام السياسي، إلا أن الحسابات السياسية والمصالح الحزبية قربت بين الطرفين خلال السنوات الأخيرة، وأظهرت ما يعرف باسم “اليسار الإسلامي” الذي يطلق على الأحزاب السياسية اليسارية المدافعة عن الحركات الإسلامية والتي ترفع شعار مناهضة الإسلاموفوبيا، الذي تحول في مرحلة ما إلى غطاء تحركت بحرية تحته الجماعات الإسلاموية في مختلف أرجاء أوروبا، وتمكنت من نشر ايديولوجيتها المتطرفة.

تبحث هذه الورقة في العلاقة بين اليسار الأوروبي والإسلام السياسي، ومحاولات جماعة الإخوان المسلمين التسلل ضمن صفوف الأحزاب اليسارية في مختلف الدول الأوروبية، خاصةً مع صعود اليمين المتطرف الذي دفع بالأحزاب اليسارية إلى انتهاج خطاب مناهض للإسلام وفوبيا.

نحاول في هذه الورقة تحليل الأسباب لتحالف اليسار الأوروبي مع الإسلام السياسي في أوروبا من خلال المحاور التالية:

  • المدخل
  • سيطرة الإسلام السياسي على المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا
  • استغلال الإسلام السياسي لمناهضة الإسلام وفوبيا
  • الإخوان المسلمون والإسلام وفوبيا
  • واقع العلاقة بين اليسار والإسلام السياسي في الدول الأوروبية
  • نظرة مستقبلية للعلاقة بين الطرفين

المدخل:

سيطرة الإسلام السياسي على المساجد والمراكز الإسلامية في أوروبا

وقفت الحكومات الغربية تراقب مواطنيها المسلمين وهم يتجهون بالآلاف للانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام بعد سيطرته على مناطق شاسعة من سوريا والعراق بعد العام 2014 دون أن تحرك ساكناً. وأعقب موجة الهجرة هذه، عمليات إرهابية نفذها التنظيم في قلب أوروبا بخاصة في فرنسا وبلجيكا، وهي من البلدان التي شهدت مشاركة فعالة للأحزاب اليسارية في الحكومات المتعاقبة.

في ذلك الوقت كانت جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الحركات الإسلاموية، قد سيطرت لسنوات على المساجد والمراكز الإسلامية في أغلب الدول الأوروبية، وتم تصنيف أغلب هذه الحركات على أنها غير عنيفة، لكن بحسب العديد من الأوراق البحثية والتقارير الاستخباراتية، فإنها لعبت دوراً رئيساً في بث أفكار تدعو إلى رفض الديمقراطية الغربية، وإقامة الشريعة الإسلامية، كما أنها عززت عزلة المجتمع المسلم عن غيره من المجتمعات الأخرى في أوروبا، حتى أن تقارير إعلامية أوروبية، توصلت إلى حقيقة تمثلت بأن الإسلام السياسي على المدى المتوسط أخطر من تنظيم “داعش” الإرهابي والقاعدة على الحياة الديمقراطية في ألمانيا.

من جهتها عدّلت أحزاب الإسلام السياسي، الكثير من أفكارها وأساليبها كي تتناسب مع سياسات الأحزاب اليسارية، وعن ذلك يقول مهند خورشيد، المستشار السابق لدى الحكومة النمساوية، إن الخطاب السياسي للإخوان المسلمين تغير بشكل كبير في أوروبا من الخطاب الديني إلى خطاب تبرز فيه عقدة الإسلاموفوبيا والظهور في مظهر أن الإسلام والمسلمين هم ضحايا لكراهية الأوروبيين، وجاء كلام خورشيد خلال ندوة نظمها مركز (trends) خلال شهر أغسطس من العام الفائت. ([1])

استغلال الإسلام السياسي لمناهضة الإسلام وفوبيا

إن تساهل الأحزاب اليسارية مع الإسلام السياسي ينبع بالدرجة الأولى من نمو اليمين المتطرف الذي يتبنى سياسة معادية للمسلمين والأجانب بشكل عام، حيث يستفيد اليمين المتطرف من ظاهرة الإسلاموفوبيا للحصول على أصوات الناخبين الغاضبين من سياسة الأحزاب الأوروبية النخبوية.

يعمل اليسار الأوروبي بطريقة مضادة عن طريق مبادرات تسعى لزيادة تقبل المسلمين في المجتمع الأوروبي، بهدف سحب هذه الورقة من يد اليمين الشعبوي، وعلى ما يبدو من خلال تقارير متقاطعة، فإن حركات الإسلام السياسي استغلت الموقف، وقدمت نفسها كمنظمات أو كيانات تعمل ضد ظاهرة الإسلاموفوبيا والعنصرية، وتمكنت من تعزيز تواجدها داخل بعض الأحزاب اليسارية في عدد من الدول، فيما استفادت من تواجد هذه الأحزاب في السلطة في بعض البلدان للحصول على تسهيلات لأنشطتها.

الإخوان المسلمون والإسلاموفوبيا

لا تعتبر ظاهرة معاداة الإسلام جديدة على المجتمع الأوروبي، لكنها لاقت رواجاً كبيراً خلال السنوات الماضية، بعد هجرة القيادات الإسلاموية إلى الغرب، وبعد وقوع أعمال العنف والإرهاب الذي ارتبط بالإسلام السياسي في مختلف بقاع الأرض.

عمل الإخوان على استغلال معاناة الجاليات العربية والإسلامية في الغرب، وذلك على الرغم أن حركة الإخوان المسلمين نفسها، تعد المرجعية لحركات العنف ذات الطابع المتطرف في كل العالم من القاعدة وداعش وأخواتهما، إلى نظام ولاية الفقيه في إيران الذي يرى باحثون أنه استلهم أيضاً أهم أدبياته من جماعة “الإخوان المسلمين”، على الرغم من انتمائه لمذهب مغاير لمذهبها. ([2])

وعمل الإخوان المسلمون على تعزيز عزلة المجتمع المسلم في أوروبا، حيث ذكر الكاتبان الفرنسيان “ألكسندر فال” و”إيمانويل رازفي” في كتابهما “المشروع استراتيجية الفتح والتسلل للإخوان المسلمين في فرنسا وحول العالم” إن المنظّر الرئيس لفكرة العزلة كان الداعية المصري يوسف القرضاوي، الذي يقولون إنه وإن كان يؤيد شكلاً الحوار مع غير المسلمين، فإنه في المضمون يدعو إلى الفصل بين المسلمين الذين يعيشون في أوروبا والحضارة الأوروبية، ويدعو لأن “يكون للمسلمين مجتمعاتهم الصغيرة ضمن المجتمع الكبير، وإلا ذابوا فيه كالملح في الماء”.

ولهذه الغاية اقترح الداعية يوسف القرضاوي على المسلمين الاستفادة من خبرة اليهود التاريخية، إذ تساءل “ما الذي حافظ على الخصوصية اليهودية طيلة القرون الأخيرة في المجتمعات الأوروبية؟”، مضيفاً بحسب الباحثين أن ما حافظ على الأفكار والعادات هو العصبة الصغيرة التي تسمى “الغيتو اليهودي” ودعا المسلمين إلى إقامة “غيتو” خاص بهم.

تغلغل الإسلام السياسي في منظمات المجتمع المدني الأوروبية

شهدت السنوات الأخيرة تغيراً في خطاب الإخوان المسلمين في الخارج، خصوصاً بعد هزيمة الجماعة في العالم العربي، وهروب جزء كبير من قياداتها إلى الخارج، حيث بدأت هذه العناصر في التسلل إلى العديد من الأحزاب البعيدة نظريًا عن رؤيتهم للمجتمع.

وبذلك يكون الإخوان المسلمون قد ساهموا فيما سبق في تعزيز عزلة المسلمين والإسلاموفوبيا في المجتمع الغربي، ليبدأوا اليوم برفع شعار التصدي للعنصرية وكراهية المسلمين، بالتعاون مع الجهات الأوروبية التي تتبنى سياسات أكثر انفتاحاً على المسلمين، وهي الأحزاب اليسارية التقدمية وبعض الكنائس الأوروبية.

وعن ذلك يقول الدكتور “رمضان أبو جزر” مدير مركز بروكسل الدولي للبحوث في بلجيكا إن “التنظيم الدولي للإخوان المسلمين استطاع خداع المجتمعات الأوروبية والتغلغل داخل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الرسمية داخل أوروبا من خلال خطاب المظلومية، وتقديم نفسه بأنه أكبر ممثل للمسلمين في أوروبا”. ([3])

وتحاول حركات الإسلام السياسي احتكار تمثيل المسلمين في أوروبا، فعلى سبيل المثال تنفي أدبيات الإخوان المسلمين اليوم وتنظيرات قياداتها المعاصرة في أوروبا والعالم أية علاقة للحركة بالعنف، وتقول إنها تدعو إلى نقيضه، بحسب ما يُعَرِف اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا عن نفسه، وهو الذي يعرف بأنه واجهة “الإخوان المسلمين” في باريس.

واقع العلاقة بين اليسار والإسلام السياسي في الدول الأوروبية

يحظى الإخوان المسلمون بموقع مهم على الساحة الهولندية. وذكرت صحيفة (NRC Handelsblad) المحلية، أن الجماعة تمكنت من توسيع نفوذها في هولندا، باستغلال السياسة المحلية والوطنية، كما تم تسهيل دخولها إلى الحياة السياسية من قِبل الأحزاب اليسارية، مثل الحزب الأخضر، وحزب العمل PVDA.  ([4])

من جهتها تضم فرنسا أكثر من 250 جمعية إسلامية على كامل أراضيها، منهم 51 جمعية تعمل لصالح الإخوان المسلمين، بالإضافة إلى تجمع لمناهضة الإسلام وفوبيا وجمعية “الإيمان والممارسة” ومركز الدراسات والبحوث حول الإسلام والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية؛ ومعهد ابن سينا لتخريج الأئمة.

وتشكل الجمعيات الخيرية الدينية التي تمارس نشاطاً سياسياً؛ أو تعمل لصالح هذه الجماعات خطراً آخر على المجتمع الفرنسي، وتوجهت فرنسا لإخضاع ما يقارب 51 جمعية دينية للمراقبة، وحلّت عدداً منها بسبب تورطها في الترويج لأفكار تنافي مبادئ قيم الجمهورية الفرنسية.

وتستفيد هذه الحركات من وجود أحزاب يسارية فرنسية تدافع عنها، في مساعي محاربة العنصرية، واعتبرت وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسية السابقة في شهر شباط/ فبراير من العام الماضي، بأن الجامعة الفرنسية مخترقة، كما المجتمع الفرنسي من طرف أطروحات الإسلام السياسي وأنه على المعهد الوطني للبحث العلمي فتح تحقيق في هذا الموضوع.

أما في ألمانيا، فسعت جماعة الإخوان المسلمين للتقرب من الأحزاب السياسية الألمانية لتحقيق أجندتها وتوسيع نفوذها. ويأتي في مقدمتهم حزبي “الخضر” و”اليسار” في ألمانيا، واستفادت من ذلك لسنوات، إلا أن الوضع تغير، فالسلطات تعمل في أعقاب الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها ألمانيا ودول أوروبية بين عامي 2015 و2016، وفقاً لسياسة جديدة، تستند على مراجعة إجراءاتها الأمنية وتشريعاتها. ([5])

ويقول “هايكو هاينش” الكاتب والباحث المتخصص في شؤون الإخوان المسلمين: إن هجمات أحزاب اليسار المتكررة على التنظيمات المتطرفة مؤخراً “تعكس بداية مرحلة جديدة في مكافحة الإسلام السياسي في ألمانيا”.

ورأى “هاينش” أن” تنظيمات الإسلام السياسي كانت تحتمي بمواقف أحزاب اليسار، وتستغلها في تخفيف الضغوط الواقعة عليها، لكن الوضع تغير الآن، وباتت جميع الأحزاب الألمانية تتخذ مواقف قوية من هذه التنظيمات”.

وفي 31 يناير/ كانون الثاني وافق أعضاء المجلس المركزي للمسلمين بألمانيا على إسقاط عضوية جمعية “التجمع الإسلامي الألماني”، التي تصنفها السلطات الأمنية الألمانية جماعة تابعة للإخوان المسلمين.

وفي بريطانيا تشير تقارير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين، تتخذ “الإسلاموفوبيا” ذريعة لتجنب النقد، فترمي مخالفيها بأنهم يكرهون الإسلام، ويمارسون العنصرية ضد معتنقيه.

وقالت “سارة خان” المكلفة في عهد “تريزا ماي” بمكافحة التطرف بحسب ما نقلت صحيفة الإندبندنت: لقد عاينت الأمر، ويجب أن أقول إنه على وجه الخصوص مع الإسلامويين في هذا البلد، ومع الجماعات الإسلاموية التي اختطفت قضية وحركة مناهضة العنصرية، التي يتجول منتسبوها في كل مكان، ويصفون أي شخص ينتقد الأيديولوجيا الإسلاموية بالمروج للإسلام وفوبيا، إن المرات التي صنفت فيها على أنني رغم كوني مسلمة مروجة للإسلام وفوبيا، لا حصر لها”. ([6])

أما في بلجيكا، فتنشط العديد من الشبكات الإرهابية المتورطة في الهجمات التي شهدتها البلاد خلال السنوات القليلة الماضية، في منطقة “مولنبيك” قرب العاصمة بروكسل التي شهدت هجرة العديد من الشبان للقتال إلى جانب داعش، وكان عمدة المدينة الاشتراكي الراحل “فيليب موريو” قد اتهم بأنه أقام نظامًا قائماً على المحسوبية، وأطلق العنان للإسلامويين المتطرفين مقابل الدعم الانتخابي. وقد ترسخ هذا الفهمُ، بصورةٍ كبيرة. ([7])

نظرة مستقبلية للعلاقة بين الطرفين

لا يبدو أن الوضع المريح الذي وجدت التنظيمات الإسلامية نفسها فيه سيستمر طويلاً، حيث بدأت بعض الأصوات تعلو داخل الأحزاب اليسارية نفسها، داعيةً إلى مراجعة السياسة حيال حركات الإسلام السياسي، فبعد قتل أحد الطلبة المسلمين للمدرس الفرنسي صمويل باتي في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، لفت “جوسو كيفن كوهنيرت” الذي يشغل منصب رئيس الاشتراكيين الشباب التابع للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، الانتباه إلى النقاط العمياء في حزبه وقال: “على اليسار السياسي أن ينهي صمته”، مضيفاً: “أنا مقتنع بأن الكثيرين منا لا يريدون تقديم تصريحات للمعارضين السياسيين الذين يعيشون من الاستياء العنصري، لكن إذا ترك اليسار السياسي الحرب ضد الإسلاميين، للعنصريين والباحثين الهواة في الإسلام، فسيتعين عليه أخيراً أن يتعامل مع هذه الأيديولوجيا باعتبارها أكثر نقطة عمياء لديه، أي أنه سيكون قد تجاهلها حتى تصبح مشكلة كبيرة وخطرة على المجتمع.

وتعد الخطوات التي قامت بها فرنسا، بعد تعرضها لهجمات إرهابية مؤلمة، من أقوى الإجراءات التي باتت تنتهجها حكومات أوروبا للحد من سطوة الإسلام السياسي، لكن بخطى تعتبر أبطئ من باريس، إلا أن الوضع يسير نحو المزيد من التدقيق في تحركات الجماعات الإسلامية في ألمانيا وبلجيكا وغيرها. 

ومن المهم هنا، الانتباه إلى الخطأ الذي وقع فيه اليسار الأوروبي، من خلال اعتباره الإسلام السياسي كقوة نضالية معادية للإمبريالية وللعولمة، لأن الحقيقة تتمثل بأن الإسلام السياسي يعادي بالأساس كل مظاهر التحديث السياسي بما فيها الحريات وحقوق الإنسان والمساواة.

وواقع المنطقة العربية بعد موجة ثورات الربيع العربي الأخيرة بيّن؛ ويظهر بما لا يدع مجالاً للشك بأن أطروحات الإسلام السياسي هي من بين عوائق التحديث وليس العكس، بحسب تقرير لراديو مونت كارلو الفرنسي.

وخلص التقرير المنشور يوم 21 فبراير/ شباط 2021، إلى وقوع خلط كبير بين المعطى الإسلامي باعتباره ظاهرة تاريخية وثقافية واجتماعية عامة، وبين الإسلام السياسي باعتباره أيدلوجية سياسية ما قبل حداثية.

[1] ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات) 28 نوفمبر/ تشرين الثاني. 2021

[2] ـ صحيفة الـ (independent) البريطانية في 31 أكتوبر/ تشرين الأول. 2020

[3] ـ جريدة ( trendsresearch) في 11 أغسطس/ آب. 2021

[4] ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 28 نوفمبر/ تشرين الثاني 2021.

[5] ـ سكاي نيوز في 1 فبراير/ شباط. 2022

[6] ـ صحيفة الإندبندنت في 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2021

[7] ـ برنامج عين أوروبا على التطرف 26 يناير/ كانون الثاني. 2020.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.