وسط خطاب يتصاعد ضد المهاجرين.. اليمين يواصل زحفه في أوروبا

يتصاعد خطاب اليمين المتطرف في العديد من الدول الأوروبية ضد اللاجئين والمهاجرين، لاسيما بعدما وصلت أحزاب يمينية متطرفة إلى سدة السلطة كما حصل مؤخرا في إيطاليا والسويد.

وبعد أن باتت جورجيا ميلوني على رأس السلطة في إيطاليا وتأكيدها رفض دخول المهاجرين إلى أراضيها، فإن أول تطبيق عملي لهذا التأكيد هو رفضها رسو سفينة إنسانية تحمل مئات المهاجرين على شواطئها مؤخرا، واضطرار فرنسا لاستقبالهم بعدما ساءت أحوالهم الصحية، ما أدى لأزمة دبلوماسية تصاعدت بين البلدين خلال الأيام الماضية.

ويبدو أن عدوى الخطاب المعادي ضد المهاجرين لم يعد يتقصر على دول باتت فيها الأحزاب تقود البلاد ( إيطاليا، السويد، المجر)، أو نالت حصة كبيرة في البرلمان كما هو الحال في فرنسا، بل وصل إلى دول لاتزال فيها الأحزاب الاشتراكية واليسارية صاحبة الصوت الأعلى وفازت بالانتخابات، كما هو الوضع في ألمانيا.

دعوة لنقل اللاجئين إلى جزر خارج أوروبا

على وقع ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القدرة الشرائية، فضلا عن صعود الأحزاب اليمينية في عدة دول أوروبية، وجد أقصى اليمين المتطرف في ألمانيا المتمثل بحزب “البديل من أجل ألمانيا” فرصة للكشف عن نواياه الحقيقية تجاه اللاجئين والمهاجرين في البلاد.

أمس السبت، شددت “فراوكه بيتري” زعيمة الحزب في تصريحات لصحيفة “بيلد” على أنه يجب على الحكومة إرسال المهاجرين الذين يتم رفض طلبات لجوئهم والمهاجرين غير الشرعيين إلى جزر خارج أوروبا وتحويل مكتب اللاجئين التابع لها إلى مكتب للتهجير.

تحاول”بيتري” استنساخ تجربة بريطانيا والدنمارك التي لغاية الآن لم تستطع تحقيقها، وذلك بنقل المهاجرين غير الشرعيين إلى دولة رواندا في شرق أفريقيا.

لكن وسائل إعلام ألمانية فسرت تصريحات بيتري بأنها إشارة إلى “ناوو” و”مانوس” وهما جزيرتان في المحيط الهادي تمول فيهما أستراليا مخيمات لإيواء طالبي اللجوء الذين تعترض طريقهم أثناء محاولتهم الوصول إلى شواطئها بالقوارب، ويتم إبلاغ هؤلاء بأنه لن يتم نقلهم أبدا إلى أستراليا.

وأضافت بيتري “اقترح تحويل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين إلى مكتب للتهجير (إلى خارج البلاد) بما يضمن مغادرة كل المهاجرين غير الشرعيين لهذه الأرض بأسرع ما يمكن”.

ماذا بعد استلام اليمين للسلطة في إيطاليا

بعد فوز حزب “إخوة إيطاليا” بالانتخابات بزعامة جورجيا ميلوني التي ترأست الحكومة الشهر الماضي، فإن هذه الحكومة جاءت في ظل ما يتبناه الحزب الفائز وزعيمته من مواقف مناهضة للهجرة وتطالب بغلق كامل للحدود أمام المهاجرين واللاجئين، وهو وضع قد لا يقتصر على اللاجئين بل على الجاليات العربية والأجنبية المقيمة في هذا البلد.

الحزب ذو الجذور الفاشية عاد لحكم إيطاليا للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، في وقت لاتزال تترقب فيه الجاليات العربية والإسلامية ما يمكن أن تسفر عنه سياسات الحكومة التي تتكون من ائتلاف يميني متطرف ومدى التزامه بالخط السياسي الحمائي الذي يتبناه، لكن من المرجح أن تكون تداعياته على كل الجنسيات والأعراق غير الإيطالية المقيمة في البلاد.

كل هذا يأتي في وقت يواصل اليمين الراديكالي في أوروبا الزحف بخطوات متسارعة، وهو ما يمكن الوقوف عليه مع كل استحقاق انتخابي تشهده أي من بلدان القارة العجوز، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن تغير المزاج الأوروبي تجاه الشعبويين، ودوافع الهرولة مرة أخرى لهذا التيار وتصاعد حضوره بما يُعيد الأجواء إلى ما كانت عليه في 2015 حين شهد قوميو أوروبا أكبر تنامٍ لهم في العصر الحديث.

استمرار صعود اليمين في القارة العجوز

لم تكن إيطاليا الحالة الوحيدة أوروبيا لصعود اليمين المتطرف، إذ يمكن اعتبارها امتدادا لحالة الزخم الراديكالي التي تحياها القارة الأوروبية خلال العام الأخير، ففي السويد نجح التحالف اليميني المؤلف من الليبراليين والديمقراطيين المسيحيين والديمقراطيين السويديين من الفوز بالانتخابات التشريعية التي جرت في سبتمبر/أيلول الماضي.

ورغم أن النتائج كانت صادمة للنخبة السياسية في السويد، ما دفع رئيسة الوزراء وزعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ماغدالينا أندرسون، لتقديم استقالتها، إلا أن المراقبين اعتبروا أن النتيجة طبيعية نظرا للحالة التي وصلت إليها الدول الأوروبية ما بين حرب في شرقها، وتدفق المهاجرين واللاجئين إلى أراضيها، وبين هذا وذاك تضخم وارتفاع تكاليف المعيشة التي بات يرى الكثير من الأوروبيين بأنهم ليسوا مضطرين لاستقبال اللاجئين في الوقت الذي يعانون هم أنفسهم من تكاليف الحياة .

كذلك، فإن نسبة كبيرة من تلك الشعوب باتت ترى أن دخول المزيد من اللاجئين والمهاجرين إلى دولهم يعني مزيدا من الانفاق وخسارة الأموال وهم أولى بها في ظل التضخم المرتفع، فضلا عن قضية الاندماج، ويعتبر أصحاب هذه النظرية بأن الحل في انتخاب الأحزاب التي تتبنى نهجا واضحا ضد قدوم اللاجئين والمهاجرين وهي دائما أحزاب يمينية راديكالية قومية.

ومن إيطاليا و السويد إلى ألمانيا، التي حصل فيها حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف على 10% من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية الألمانية الأخيرة التي جرت في سبتمبر/أيلول العام الماضي، الأمر ذاته في فرنسا، حيث حصلت مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني، على 41.8% في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة التي جرت أبريل/نيسان الماضي وفاز بها إيمانويل ماكرون للمرة الثانية.

لكن في يونيو/حزيران الماضي نجح حزب لوبان في الحصول على 89 مقعدا في البرلمان الفرنسي، وهو من المرات القليلة التي يحقق فيها اليمين المتطرف هذه النسبة من المقاعد.

وفي المجر، فاز حزب “فيدسيز” اليميني الراديكالي بنسبة 52.73% من الأصوات، في الانتخابات التي جرت في أبريل/نيسان الماضي، ما سمح للشعبوي فيكتور أوربان بإعادة انتخابه رئيسا للوزراء للمرة الرابعة بعدما حصل حزبه على أغلبية الثلثين في تلك الانتخابات، وسط تنامٍ واضح للتيار الشعبوي.

أيضا فإن المد اليميني يواصل صعوده بشكل كبير في بلدان أوروبية أخرى، على رأسها هولندا حيث يواصل حزب “الحريات” بزعامة المتطرف خيرت فيلدرز حضوره الشعبي، الأمر كذلك في النمسا وحزب “الحرية” اليميني، وفي الدنمارك هناك حزب “الشعب الدنماركي” ثالث أقوى كتلة سياسية داخل البرلمان.

فيما يواصل حزب “الفجر الذهبي” اليوناني (صنفه القضاء اليوناني كمنظمة إجرامية) تقدمه الملحوظ على المستوى الشعبي، رغم حصوله على نسبة 7% في آخر انتخابات شارك فيها وكان ذلك عام 2015، وهو الموقف ذاته إزاء حزب “القانون والإنصاف” في بولندا.

وفي بريطانيا تحاول الحكومة المحافظة منذ أشهر عديدة ترحيل طالبي اللجوء نحو دولة رواندا، لكن حال دون تحقيق هدفها تدخل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في اللحظات الأخيرة بداية الصيف الماضي.

ووسط استمرار محاولات ترحيل طالبي اللجوء نحو الخارج، أدلت مؤخرا وزيرة الداخلية البريطانية “سويلا برافرمان” ذات الأصول المهاجرة بتصريحات وصفت بالعنصرية ضد المهاجرين، في وقت بات يعاني فيه طالبو اللجوء في مراكز الاحتجاز من أوضاع “غير إنسانية”، وفق ما تؤكده منظمات حقوقية بريطانية.

أسباب صعود اليمين

يبدو أن هناك العديد من الأسباب والدوافع التي أدت إلى تنامي صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا مرة أخرى بعد النجاح النسبي في تقليم أظافرها إثر تغولها عام 2015، وتتأرجح تلك الدوافع بين اجتماعية تميل إلى الجانب العنصري المرتبط بالسياسات الحمائية التي يفضلها المواطن الأوروبي في مواجهة أبناء الألوان العرقية الأخرى، وأخرى ذات بعد اقتصادي بحت، وهي الأكثر حضورا بصفة عامة، لاسيما مؤخرا.

ويمكن تقسيم أسباب هذا التنامي إلى ثلاث أسباب، الأول يتعلق بما تحياه أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا التي تستند في خططها وبرامجها في الأساس على انتقاد برامج الحكومات الأوروبية والسياسات الاقتصادية التي تنفذها.

والسبب الثاني يتعلق بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة في القارة العجوز بعد الحرب الروسية في أوكرانيا وارتفاع الطاقة الذي تسببت بتدني القدرة الشرائية لشعوب الغرب الغني، ما يجعل الفرصة سانحة أمام شعارات اليمين المتطرف لتكون في الواجهة.

فيما السبب الثالث يعود إلى التوجه الذي بدأ يترعرع داخل الشارع الأوروبي والرافض لسياسات اللجوء والهجرة التي تتبعها عدد من دول أوروبا، وهو الأمر الذي يتوافق مع برامج الأحزاب اليمينية المعادية للاجئين والمهاجرين.

كذلك، فإن الحرب الروسية في أوكرانيا جاءت لتزيد اشتعال نار الشعبوية في أوروبا، فقفزت معدلات التضخم والأسعار والبطالة ومعها زادت نسبة الضرائب وانهارت الكثير من العملات، أبرزها اليورو الذي تراجع بقوة أمام الدولار الأمريكي خلال الأشهر الماضية، هذا في الوقت الذي لم تتعاف فيه أوروبا لغاية الآن من تداعيات جائحة فيروس كورونا التي أصابت الاقتصاد بحالة من الشلل لأكثر من عامين.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مركز أبحاث ودراسات مينا.