المرأة؛ حقوق مصادرة ووجود منقوص

رغم كثرة الحديث عن حقوق المرأة، إلا أن الانتقال نحو تحقيقها مازال بعيد المنال في مجتمعات تقف خارج فلك “الكوجيتو الديكارتي”، وتتمسّك بنظرية أن للإنسان طبيعة ثابتة أصلاً ومتمفصلة معرفياً في الاختلاف البيولوجي، متجاهلة أن المرأة نتاج انجراحات وانحيازات فكرية ثقافية وقفت ضدّها لتشكّل وعياً أسمنتياً مسلّحاً، جعلها مختلفة عن الرجل و”الإنسان” في مناقشة حقوقها من منطلق (هوية أنثوية) تستخدم الجسد الأنثوي في الفضاء العمومي، للدفاع عن وجود غيّبته بنية “أخلاقية” موروثة ومحروسة بواسطة أجهزة معيارية مفروضة، كجزء لا يتجزّأ من دائرة “المقدّسات والسبحانيّات الربانية” و”المحرّمات المجتمعية الإرثية” التي تستمدّ منها لعبة الهوية بنيتها العميقة في الانقسام بين “ذكر وأنثى” التي تلغيها بديهية ابن رشد “الذكر والأنثى.. هما من نوع واحد هو.. هو”. وأن إنسانية الإنسان لا تقبل الزيادة والنقصان، ولا التفاوت والتفاضل.

مسار البحث

  • مقدمة
  • الخيال الذكوري وصناعة المرأة
    • أنموذج المرأة في التربية الصالحة
    • بيوت الطاعة الزوجية
    • المرأة الأم وتكرار الأنموذج
  • عجز التشريع واغتصاب الحقوق
    • نظرة على التشريع الديني للأديان والطوائف
    • حقوق المرأة في منظور الأديان (سورية مثالاً)
  • العرف كشريعة غير مكتوبة
    • جرائم الشرف عرف يدعمه القانون
  • حقوق المرأة في منظار الذكورة
  • خاتمة

مقدمة

منذ أوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، وأخذ واحدة من أضلاعه وبنى من الضلع امرأة قدمها لآدم في الجنة كما يقال(1)، وَعَت البشرية بشكلها المعرفي البدائي الذي جسّدته الأديان والثقافات وجود المرأة، كضلع تابع لعظم الرجل ولحمه، لتبدأ مرحلة سيادة الرجل وتكريس عبودية المرأة في طاعتها “للمخلوق الخالق”، التي تحولت بمرور الوقت لبطريركية ذكورية متعالية نسجت ثقافتها المجتمعية وأسقطت المرأة في دائرة صناعة الرجل المتفوق قيمة ونوعاً.

داخل هذا التراكم الديني المجتمعي بمفعوله المعرفي البائس تكوّنت ثنائية الرجل والمرأة، مقابل الذكورة والأنوثة، وتكوّنت المجتمعات المشرقية “الدينية”، نازعة عنها ثوب العدل والتعادل الوظيفي والفكري لترتدي أثواب القطيعة مع حسبان المرأة إنساناً كاملاً في حقوقه وواجباته، فالحق هو حق الذكر، والواجب هو اتباع الرجل الذي جعل المرأة، حتى المتحررة، في الشرق المثقل باختلاط الديني بالفكري بالثقافي عموماً، تقف عاجزة أمام انفصال جنساني مبني على مسلّمة القوة الجسدية المدعومة بقوة مقدسة تؤصّلها، لتعطي للجماعات وعيها بالحفاظ على الكائن الأضعف وإخضاعه لمشيئة الأقوى وعصمته.

الخيال الذكوري وصناعة المرأة

“إنّ المرأة لا تولد امرأة، لكنها تصبح كذلك”. (سيمون دي بوفوار)

شكل الصعود الذكوري في المجتمعات المتحولة من نظام اقتصادي أمومي قائم على إنتاج الحياة والتناسل والاقتصاد المنزلي وتحديد حق النسب عن طريق الأم، إلى نظام يسيطر فيه الرجل عن طريق إخضاع المعادل المؤنث لوجوده، وتحول العلاقة بين الجنسين إلى علاقة مستَلبة يقودها ويكرّسها المِخيال الذكوري الذي يُعادي المرأة علانية ويشتهيها سراً، ليصير أساساً ومرتكزاً تقوم عليه الأسرة التي تشكّلت على ربوبية الرجل، وتنظيمها وفقاً لتسلّط الذكور وخضوع الإناث وطاعتهن. ففي النظم البدائية وتطورها المحدد بعلاقات إنتاجية محددة تبرز النظم الاجتماعية محكومة بروابط غايتها زيادة القوة الإنتاجية، وأخذ الزوج دفّة القيادة خارج العائلة، وداخلها، ليشكل هزيمة تاريخية للجنس الأنثوي ويحرم (الزوجة/المرأة) من مركزيّتها في تشكيل العائلة وتحويلها إلى أداة إنتاج بسيطة ومقتصرة على إنجاب الأولاد(2).

انتقال السيطرة الأبوية من مجالها الأصغر إلى المجتمع، واكبته جملة من القيم والتقاليد، الناظمة للعلاقات الاجتماعية وفقاً لاحتياجات المجتمع الأبوي والشخصية البطريركية التي أعادت صياغة المرأة من إنسان إلى كائن دوني يحتل مرتبة اجتماعية أدنى من مرتبة الرجل، يجري ترويضها وبرمجتها من خلال وسائل التربية والتنشئة الاجتماعية، لتناسب الحالة الذكورية في الأسرة والمجتمع معاً. فدونية المرأة ليست نتيجة حتمية لأنوثتها واختلافها الفيزيولوجي والبيولوجي، بل قراراً اجتماعياً يحوّل الأنوثة إلى إشكالية تختلف باختلاف الفضاءات الثقافية، وأنماط وعلاقات الإنتاج المتباينة، التي تصنع شروطاً ثقافية مجتمعية مرافقة وملائمة لها. وانطلاقاً منها، تم التمييز تدريجياً بين الجنس (الذكورة أو الأنوثة) وبين النوع الاجتماعي (الرجل/المرأة) (3). الذي يمارس على المرأة وفق منظومة الترويض المجتمعي التي تبني مسارها الأخلاقي والنفسي والوجودي لتصنع المرأة ضمن مسارات حياتها كافة وتتجلّى في التمييز الأسري بين الجنسين انطلاقاً من:

التربية الصالحة لكلا الجنسين: عرفت البشرية أشكالاً متعددة للعلاقات بين الجنسين، قبل أن تنتظم داخل منظومة الزواج الأحادي كتنظيم اجتماعي للحياة الجنسية، والانتساب للأب بدل الأم، والمرتبط بتحولات النظام الديني – من الآلهة الأنثى إلى الإله الذكر- وتطوره إلى مرحلة سلطة الرجل التي تنظّم الزراعة والزواج والقرابة، وتحول العلاقات الجنسية بين الرجال والنساء إلى حقّ الرجل المطلق كانعكاس ميتافيزيقي للعلاقات القائمة، الذي ظهر مع سيادة النظام الأبوي/البطريركي في أعلى أشكاله في الدولة الرومانية وقبلها في الدولة البابلية(4).

و”كما في السماء كذلك على الأرض”، اتخذت علاقة خضوع الأنثى للذكر أبعادها، كاملة في البلدان التي قدمت الأديان للعالم، والتي لم تنزح عن وجودها كمجتمعات دينية بقيادة ذكورية، قنّنت قيماً وأعرافاً وتقاليد وهبت الرجل (الفحولة، القوة، الشدة، الجرأة، العقل) وأكسبت المرأة (الشبق، الضعف، اللين، الانهزام، الانقياد) وجعلت المرأة قضية للهيمنة يجري إعدادها تباعاً حسب أهواء الرجل، عبر هيمنته عليها في العائلة والمجتمع والسلطة، و يعبَّر عنها بتسلّط الأب على الأم والأولاد، تسلّط الصبي على البنت تسلّطاً لا عقلانياً يوجب خضوعهن وطاعتهن طاعة عمياء. هذه التراتبية في العلاقات استندت بكليّتها على محدّدات الطبيعة البشرية، وما أفرزته من هويات جنسية واجتماعية أكسبت الذكر سلوكاً محدداً في التفوق ليضيف إلى الفحولة الجنسية، فحولة معرفيّة تُكسبه كل حقوق العلم والموضوعية وضروب الحكمة، (الرجل/ العقل، المرأة/ الانفعال العاطفي).

ورغم تفكيك مقولة ثبات الطبيعة البشرية (الغريزية) في تشكيل الهوية الجنسية الاجتماعية المتآلفة مع خضوع المرأة للرجل، وتغيّرها بناءً على موازين القوى وزيادة الوعي بالحقوق والمساواة، لكنها في المجتمعات العاجزة عن التكيّف مع التطور مازالت محكومة بالتصادم بين (الذكورة والأنوثة) كهويات محددة (5)، وموجودة بفعل التقادم الزمني، الذي يحتمي بالمقدس الديني والعرف المجتمعي المتوارث لمواجهتها على أنها تفكيكاً لشبكة العلاقات الاجتماعية، فهي لم ترَ فيها تجديداً إيجابياً إنما غزواً ثقافياً. وبدل تهيئة المجتمعات لقبولها كضرورة، وحلٍّ لمشكلات اجتماعية واقتصادية تستمر الحال على ما بنيت عليه في محاولة تقييد المرأة بسلسلة لا يمكن كسرها إذ تعتمد على آلية تكوين أنثوي مخالف للتكوين الذكوري في الإعداد والتنمية والتجربة. وكأننا ننشئ كائنين مختلفين نوعاً وفصيلةً، هذا ما وجده نيتشه في رؤيته للمرأة التي تبلغ في أفضل الأحوال حيواناً كالقطط والكلاب والأبقار وأنها تتآمر مع كل أشكال الانحلال ضد الرجال(6) وتكرّس مقولته وفقاً لمنظومة التربية المعتمدة على: 

أولاً: طفولة مقولبة، “كلنا يلعب لعبة الذكر والأنثى التي تعلمناها منذ المهد” (كافين رايلي)

إذا كانت المجتمعات الصناعية (رأسمالية أو اشتراكية) أبوية ذكورية، فإن المجتمعات العربية البعيدة عن ثورة الصناعة أكثر ذكورية وأشدّ أثراً في ترسيخ الاختلاف منذ الطفولة المبكرة، والتأكيد على الدور الجنسي والوظيفي والإنتاجي لكلا الجنسين في انفصال تام يجعل من تقاربهما مبنياً على ما يصوَّر لمستقبلهما الذي يبدأ بتأسيس العائلة والرغبة بمجيء الصبي أكثر من البنت، فهو “الصبي” الذي يشكل امتداداً حياً لسلطة رب العائلة وممثلاً لرمزية الخلود المفقودة لدى البشر “من خلّف ما مات”، إذ يُكنّى الولد باسم أبيه الذي يُلقّب بـ”أبو فلان”، ويحمل إرث العائلة المادي والمعنوي. بينما يُنظر إلى الفتاة ككائن أقل أهمية وأكثر ضعفاً، وما بين التسامح والدلال للفتاة الطفلة وإكسابها الحال الأنثوية البحتة وإغراقها بالدمى، وما بين تدريب الطفل على الصلابة والخشونة وكبت دموعه، يتعزّز الاختلاف في الأفكار والسلوك، ليغدو لكل منهما عالمه الخاص يجري تثبيته مع سيل من الإعدادات البعيدة عن التشاركية، والمتركزة على انقسام الأدوار بينهما ومهمة كل منهما في الفعل والتأثير. يلعب هو دور الذكر وتلعب هي دور الأنثى.. وهكذا يزداد لعبه شدة ويزداد لعبها أنوثة. فكلنا يلعب لعبة الذكر والأنثى التي تعلمناها منذ المهد(7). 

رغم أن الطبيعة لم تقدّم قواعدها للذكورة والأنوثة، ولم تنتصر للرجل ضد المرأة، فكلنا يولد ولديه إمكانية الشدّة واللين، العدوانية أو المسالمة. ولكن الرجل، انطلاقاً من وعيه الفحولي للعالم، “ذكْرَن” الذكر والمعرفة والعلم والإبداع، و”أنْثَن” الطبيعة والمرأة والعاطفة والقلب، لينتج كمّاً تراكمياً لفكرة التمايز والاختلاف، انعكس على الفتاة في التقزيم الفكري والانسحاب نحو “الأنثوي -الجنسي الوظيفي”، وعلى الصبي في نموّ الذكورة بمعناها البيولوجي الضيق بدلاً من الرجولة كسلوك وممارسات، ويقولب كل منهما في الجسد وواجب النوع، الذي يزداد تمايزاً واختلافاً مع كل خطوة يخطوها الطفلان “الذكر والأنثى” ليتركز تمايز كل منهما في مخيلة الآخر (القوة والضعف، القدرة والاستلاب، الزهو والخزي) التي يدركها الطفل ويشعر بتأثيرها،  فالصبي يرفض ثياباً فيها لمسات أنثوية لأنه يشعر بأهمية ذكورته المتفوقة، والفتاة تنقسم بين رغبة الذكورة كميزة للتفوق وبين الأنوثة الأصلية(8)، التي يفرضها الأهل مسلكاً لتتكيف تلقائياً مع حاجتها للحماية وللبرمجة، بحيث تكون امرأة تابعة وملحقة بزوجها المستقبلي وتكون على ذمّته وتحت حمايته، ويجري ترسيخها في المراحل اللاحقة التي تبدأ فيها الفتاة في النضج لتنتقل طفولتها المقولبة نحو مراهقتها المكبوتة.

ثانياً: مراهقة مكبوتة، “المرأة لا تصلح إلا للإنجاب.. فهي مجرد مخلوق مشوّه أنتجته الطبيعة” (أرسطو)

 في المجتمعات الأكثر تخلفاً التي تعاني خلل المنظومات الاجتماعية والثقافية، يزداد التوجه في فترة المراهقة نحو إعادة بناء الأجساد لتكون أكثر ذكورة أو أكثر أنوثة، فهذه الفترة الحرجة “الاقتراب من النضج الجسمي والعقلي والنفسي والاجتماعي” أي الربط بين ما خزِّن من خبرات الطفولة وانطباعاتها ومواقفها القائمة على قواعد التربية وبين السلوك وأسلوب الحياة. فالنفس البشرية تسير على نمط واحد متواصل لتشكيل مواقف الأفراد وترتيب العلاقة بينهم وبين أنفسهم، وبينهم وبين المجتمع(9)، ليزدادوا غرقاً في منظومة ثقافية “مادية ورمزية”، ترتب العلاقة بين المجتمع وشرائحه المختلفة، وتشرعن افتراق الصفات بين الذكر والأنثى وتكريسها داخل أبجدية المعطيات البيولوجية والفيزيولوجية. ووفقاً للسياقات الاجتماعية، يتحدد شكل العلاقة بين الذكر والأنثى بحسب نظرة المجتمع لكليهما كجسد وإخضاعهما لشبكة معقدة تزيد من الاضطرابات النفسية المرافقة لمجموعة من الأحاسيس المتناقضة بين الحاجة إلى الحبّ والعاطفة، والإشباع الجنسي، وبين الأعراف والتقاليد التي اعتادت استبعاد الفرد الذي يخرج عن منظومة المحرمات والتابوهات المجتمعية المرتكزة على فحولة متخيلة شكّلت منظومتها الأخلاقية اعتماداً على الجسد وملاءمته لقيم الجماعة، وانصّبت بكليّتها على تقييد الجسد الأنثوي لربطه بالجنس، وربط الجنس بالتناسل في سياق الشرعية الدينية والمجتمعية، لتقع المرأة فريسة الاضطراب والتناقض بين الحاجة للامتداد الفكري والمعرفي خارج الجسد والتقوقع داخله. فأي تصرف دون إذن ومباركة الجماعة يلحق العار بالجماعة كاملة، وهذا يشكل منظومة تربوية تتلقاها المرأة منذ بداية وعيها الأولي للاختلاف بينها وبين الذكر الذي يحق له ما لا يحق لها. فتبدأ بتشكيل مزاياها حسب المستحب وتعلن عن طاعتها وخنوعها بانحناء جسدها وبالنظر إلى الأسفل وعدم فتح العين أو مدّها على جسد الذّكور(10)،  لينصبّ جلّ اهتمامها على الزواج كمنفذ يشرعن وجودها، بما يمثله من انتقال في حالتها الفكرية والجسدية نحو موقع آخر تنال فيه الحق الطبيعي والمباح في الأمومة.

بيوت الطاعة الزوجية

“أيتها المرأة إن السكوت هو زينة جنسك” (الإلياذه)

إن ما صوّرته رسوم الكهوف عن كائن بشري قوي العضلات، يجذب امرأة من شعرها إلى كهفه لتسليه ليلة تقضيها معه، إنما هي صورة تعبّر عن حاجة للإيمان بالطبيعة البشرية الثابتة التي لا تتغير، لكن يبدو أن لعبة المهد ليست متجانسة إذ تختلف من مهد إلى آخر و”إن المجتمعات المختلفة تعلّم أشياء مختلفة”(11)، لكن هذا الاختلاف لم يدخل في منظومة الثقافة الذكورية السائدة، التي إن جازفت في الخروج من اعتبار المرأة  متاعاً للرجل، فإنها ستقف عند حدود “الرجل رجل، والمرأة امرأة”، وستعمل على إقصاء أي سلطة فعلية للأنثى، لتبقى النقوش الحجرية شاهدة على القدرة الذكورية، وشاهدة كذلك على الهامشية والانصياع الأنثوي، دون إمكانية لقلب التاريخ المدوّن. فهذا التاريخ محكوم عليه بالنفي مع سقوط المجتمع “المتريركي/الأمومي” الذي ساد الأرض، دون أن يفسح في المجال لإمكانية استعادة التوازن، فالانقلاب على دور المرأة كان بقتلها الفعلي (قتل مردوك لتعامة)، أو قتل فاعليتها، أو تشويه سمعتها، لاستتباب السيطرة الجديدة، التي ترسّخت بذهن الذكر والأنثى معاً.

ورغم الأشواط الواسعة التي قطعتها المرأة في المجتمعات المشرقية من ناحية التعليم والعمل، وفي مجال نيل الحريات.. لكن هذا لم يغيّر من واقع منظومة الثقافة الذكورية، ولم يدفع لاستقلال قرار المرأة في المجتمعات المغلقة والبعيدة عن التنمية التي مايزال جلّ نسائها يَدُور في فلك البحث عن حماية، وجزء من تفكير المرأة بقي منصبّاً على الزواج لما يمثله من مخرج آمن للعديد من المشكلات المجتمعية الراسخة أو المتخيلة حول نظرة المجتمع إلى المرأة، كعورة يجب أن تُستَر وحرمة يجب أن تُصَان، ولاتزال سائدة لدى أغلب الفئات الاجتماعيّة المحرومة والمهمّشة. وتزيد خشية المرأة من العنوسة وألسنة المجتمع التي ترفض وحدانية المرأة، إضافة إلى رغبتها الدفينة في الانتقال إلى الأمومة بوصفها تعويضاً عما ترسّخ في وعيها من مركب النقص، فتنتقل في الأمومة من مهمّشة إلى صانعة حياة ومن ملكية للذكر (الزواج) إلى مالكة للذكر (الابن) إلى حد ما. فبفضل قدرتها على الإنجاب تعود إلى مكانتها الأصلية كقابضة على أسرار الحياة. 

لكن هذا الانتقال لا يكون سلساً فما غرس من تحويل جسدها إلى ملكية مجتمعية يُدخلها في متاهات أخرى مربكة ومقيدة. 

أولها: العذرية أساس الملكية: استناد البنية الاجتماعية (المجتمع) بكليتها على (الفاعل/الرجل)، المسؤول المباشر عن التعديلات الثقافية والفكرية المؤسّسة لفردانية الزواج، وضمانه في ضرورة العفة والعذرية التي يمكن استنتاجها من انقلاب الأدوار. فكاهنات المعابد القديمة اللاتي كن يهبن أجسادهن ومتعتها للرجال كصلاة ولتحقيق المثل الأعلى الجنس، تحوّلن من قدّيسات محترمات إلى عاهرات، وبنفس السياق كانت العذرية عقبة في طريق الخصب، والمرأة التي اختبر خصبها مطلوبة ومرغوبة، فالزوجة الصالحة في المجتمعات البدائية هي التي أثبتت التجربة قدرتها على الإنجاب، أما العذارى المحتفظات ببكارتهن لا يقبل عليهن الرجال إذ هن غير مجرّبات.

ومع ظهور الملكية الفردية أضحى للبكارة والعفة قيمة أخلاقية يتشبث بها الرجال قبل الزواج، فالأنثى العذراء هي التي تُمهَر ويرغب في الزواج منها على أنها ملكية خاصة وموضوع للتبادل يجب أن تُخضع لمنطق العفّة والطّهارة والشّرف الذي يقضي بالحفاظ على سلامة الجسد لسلامة الجماعة. ويصبح رمزاً لشرف القبيلة المانحة إذا ما سلِّم الجسد دون عيوب وشرفاً للمتلقّي إذا ما تلقّى بضاعة لم يمسسها أحد، فهو من سيعود عليه شرف الفحولة وشرف الاستفراد باستهلاكها لأوّل مرّة وصيانة حرمتها لصيانة شرفه(12).

تعدُّ مسألة العذريّة من أكثر الآليات التي ما زالت تنتج ويعاد إنتاجها كأداة تؤكد استمرارية البنى التقليدية للمجتمع والرؤى المعبّرة عنها، ففي بعض المناطق العربية مازالت رؤية دماء العفة والشرف عرفاً يجب اتباعه وإلا وقعت الفتاة في العار، ومن المعتاد أن يُطلّق الرجل زوجته إذا لم يجدها عذراء، فعقدة العار المتأصلة منذ الجاهلية مازالت تسيطر على المجتمعات الريفية حيث يُقدم ولي أمر الفتاة على قتلها إذا اتهمت بعلاقة غير شرعية(13).

ثانيها: الطاعة الكلية، المرأة ملك الرجل: نساء السوتيSutee  في الهند ينتحرن عند وفاة الزوج، ونظام الحريم برداه Purdah  يعزل النساء في غرفة خانقة في مؤخرة المنزل وتغلق النوافذ بمصاريع، وفي الصين تشلّ حركة الفتاة بربط أقدامها، وفي روما العائلة Familia  تعني أملاك الأب ومقتنياته التي تتضمن النساء والخدم، وفي بلاد الفرس كان يمنع على المرأة التلفّظ باسم زوجها. فالنساء كن ملكاً لأزواجهن أو آبائهن.  وقضت شريعة حمورابي البابلي، كأول تشريع أرضي ذكوري، أن ترمى المرأة في النهر إن رفضت زوجاً، وللرجل أن يُطلّق زوجته أو يعدها أمة. وكن يواجهن الموت عقاباً على الخيانة، بينما بوسع الأزواج ممارسة الزنا دون عقاب. فالخيانة الزوجية التي تعد شيئاً مشيناً للمرأة يعدّها الرجل سقطة مشرفة لفحولته لتنتقل فضيلة العفّة من غشاء البكارة إلى عدم الاقتراب من رجل آخر.

أما في بلداننا فيحتفظ الرجل باسمه بينما تفقد المرأة اسمها، فتصير زوجة فلان، وأرملة فلان، فوجودها مرتبط بذات أخرى، فهي تغيب كهوية بعد أن صنِّعت هوية محددة بالسلب(14)، جعلت المرأة تنظر إلى نفسها بوصفها ملكاً مطلقاً للرجل الذي أصبح هويتها الوحيدة. فهذه الهوية المُصاغة بعناية للبقاء داخل شرنقة الرجل كانت مدعّمة بميراث مقّدس قدمته الأديان على اختلافها، وبقوانين وأعراف شكلت بنية ثقافية متينة ومحكمة، فالفرد يحب ويكره، يحتج ويحلم ويغضب من خلال ثقافته، ولأن  السلوكيات كافة تُفسّر وفق السياقات الاجتماعية، لم يستطع الحب في العلاقة بين الرجل والمرأة إلى دفع الرجل للتخلي عن عقدة التعالي ومازال الحب معرفاً إما بالانسجام والمؤانسة أو بالجنس(15)، وما يجعل المرأة منخرطة تماماً في التماهي بالمعيار المجتمعي في طاعة الزوج للحفاظ على وجودها (الخشية من الطلاق والهجر) ولصون مكانتها الأسرية مع “شهريار” فعليها الإمتاع والمؤانسة، لتصل نحو إثبات وجودها ضمن ملكية الرجل التي تحوّلت لمملكته، وهذا لا يختلف كثيراً بين رائدة فضاء في مجتمعاتنا وربة أسرة، فكلتاهما تدوران في فلك الثقافة نفسها، التي تجعل المرأة تبحث عن تثبيت وجودها في المجتمع انطلاقاً من العائلة، وتختلف الأساليب لكل منهن، ولكن الكثيرات تلجأن إلى الإنجاب كشرط من شروط مشروعية الجنس دينياً وعرفياً، ولما يعنيه الطفل بالنسبة للمرأة في التمسّك بالبناء الأسري، وفي إكسابها ملكية مختلفة وقوة مغايرة في حق الإدارة للمنزل والتنشئة، لتستلم استكمال الفعل في ترويض أجيال أخرى من النساء للسوية الثقافية الخاضعة لشبكة صلبة من القيم.

المرأة الأم وتكرار الأنموذج

“المغلوب يتشبّه بالغالب” (ابن خلدون)

ما يجري تصويره لعموم حال المرأة المشرقية واضطهادها داخل الأسرة يحتمل النفي والإيجاب، فضمن تلك المملكة الصغيرة، ومهما اختلفت تفاصيل العلاقة الزوجية هي سيدة في امتلاكها سلطة الفاعل التربوي، إذ يتماشى الأبناء الصغار مع آلية التربية داخل الأسرة التي غالباً ما تقع على عاتق المرأة، إذ هي ترغب بالصبي كما الرجل وتنمّي ذكورته، وتساهم في التمييز بين الصبي والبنت في التربية المنزلية، لتصنع الخصائص الشخصية لكل منهما في تكرار الأنموذج، ولعب الأدوار نفسها. فتساهم المرأة فعلياً في تشكيل برنامج العمل الذي يوضّح الطريقة التي يجب أن يسير عليها العمل لناحيتي الذكورة والأنوثة، باعتبارهما ضرورة لنمط السلوك وغائية لوجودهما، يضاف إليها التقليد. فما يمارسه الآباء والأمهات يمارسه الأبناء. ومعظم الأحيان يتّخذ الأبناء من آبائهم وأمهاتهم قدوة في سلوكهم، وينتقل إليهم الميراث الثقافي بتجلّياته كافة.

وحين يصلون إلى مرحلة النضج العقلي والانفتاح يحدث أن يجدوا أنفسهم تستخدم الأفكار المغلوطة والمتحيّزة التي حملتها منذ الطفولة كما لو كانت قانوناً مقدّساً لا انفكاك منه. فداخل نفس المنظومة الثقافية الباعثة على الارتباك لا يمكن تبنّي وجهات نظر مخالفة دون دفع الثمن، فالمرأة تعادي نفسها، وتقف بوجه ابنتها إن خرجت عن سياق التقليد، في مجتمعات لم تصل بعد لمرحلة التحرر الفردي ويعيش أفرادها منطق “الوجود الجماعي المشترك” الذي يقدّم معاييره ومقاييسه وقيمه(16) لتصبح قانوناً فوق القانون.

عجز التشريع واغتصاب الحقوق

في المجتمعات الدينية لا تزال المرأة محكومة بجملة قوانين “مقدّسة ومنزلة”، تحتاج الدخول في مجالات الحفر المعرفي حولها من أجل تفكيك أُطرها وعدم الاكتفاء في تعديل جملة القوانين الشرعية على أهميتها، بل العمل على تغيير مسيرة تاريخية انغمست فيها المرأة وساهمت في تأصيلها. فالمرأة مازالت ترى في مؤسّسة الزواج الديني حماية لها وإثباتاً لوجودها، ولم تصل نحو المطالبة بحقها المدني بعيداً عن منظومة التشريع المجتمعي أو الديني. فالزواج لم يظهر تاريخياً باعتباره توافقاً بين الرجل والمرأة، بل باعتباره خضوعاً من جنس لجنس آخر، ومحكوماً برابطة الزواج الديني المؤسّس منذ نشوء اليهودية وسط بيئة رعوية، أعطت السلطة المطلقة لربّ الأسرة المسموح له بالتعدّد لإكثار الأبناء والسيادة عليهم ليساعدوه في تربية الماشية، ولم تتغير فحواها في تكريس اللامساواة، وتتفق الديانات الإبراهيمية الثلاثة في مبدأ القوامة، وتهميش المرأة وجعلها خاضعة للرجل(17). وانعكس ذلك سلباً على الحياة الأسرية ومكانة المرأة وحدودها داخل الأسرة والمجتمع.

  • نظرة على التشريع الديني للأديان والطوائف

رغم قدسية الأسرة التي تأسّست منذ اليهودية، إلا أن المجتمع اليهودي الذي أسّس أصولها أخضع بنيانها للعديد من المتغيرات، فمنع تعدّد الزوجات الذي كان سائداً، وأرسى العديد من القواعد التي تمنع وتحرّم العنف الأسري وتمكّن المرأة من طلب الطلاق وعلى دفع غرامة مالية، وذلك في مجتمعات كانت تَعدُّ ضرب الزوجة روتينياً ومباحاً، وفيما يخص الميراث من الأب تأخذ الفتاة نصيبها كقيمة مساوية لتوزيع الأراضي، وترث الزوجة زوجها المتوفى بالكامل إن لم يكن لها أولاد، ومثلهم في حال وُجدوا (18).

وفي المسيحية اختصّت المحاكم الروحية بإصدار القوانين الناظمة للزواج، واختلفت بأحكامها حسب الطوائف المسيحية والبلدان، في القوانين والإجراءات المتعلقة بالنفقة والحضانة والولاية على الأطفال والميراث وغيرها، ولكنها جميعاً توافقت على منع الطلاق وظلّت تعدُّ الزواج سراً مقدّساً لا يمكن حلّه “فالذي جمعه الله لا يفرّقه إنسان”.

أما قانون الأحوال الشخصية (للمسلمين) بأنواعه: رسمي، متعة، مسيار. فهو بعيد عن مظاهر المساواة في الحقوق والواجبات بين الذكر والأنثى في درجة من السلطة والصلاحيات متمثلاً بـ (القوامة، التعدّد، الطلاق، تقسيم الإرث، الإنفاق) وهو مازال مطّبقاً في معظم الدول العربية.

  • حقوق المرأة في منظور الأديان

استطاعت مؤخّراً معظم الطوائف المسيحية أن تُدخل بعض التعديلات على قانون الأحوال الشخصية العام الصادر عام 1953 المطبّق على جميع السوريين، وفقاً لأحكام المادّة (٣٠٨) التي تنصّ على تطبيق الشريعة الإسلامية في قضايا الولاية والنسب والتبنّي والإرث والوصية. ليصير حقّ المرأة بالميراث كما الرجل في الكاثوليك وفقاً للمرسوم (31) للعام 2006 (19)، ولطائفتي السريان والروم الأرثوذكس وفقاً للمرسوم (7) لعام 2011 وبقيت طائفة الأرمن الأرثوذكس خاضعة بموضوعي الإرث والوصية لقانون الأحوال الشخصية العام(20). 

أما القانون الشرعي فرغم الاحتجاجات الواسعة على بنوده، فإن التعديلات الأخيرة في المرسوم 4 لعام 2019 لم تغيّر من فحواه شيئاّ، وبقي محافظاً على نسق الغبن لحقوق المرأة التي أقرّها الدستور السوري ومواده التي تعكِس المساواة بين المرأة والرجل، وقد تعطل لصالح قانون الأحوال الشخصية العام، ولصالح قوانين الطوائف وشرائع المجتمع التي قد تكون أشدّ جوراً تجاه المرأة من قانون الأحوال الشخصية نفسه.

  • العُرف كشريعة غير مكتوبة

العمل على المساواة بين المرأة والرجل بالتشريع، عدا أنها لا تعني انتقاصاً من الدين، فإنها لا تلغي كل المشكلة، فاختلاط الديني مع عرف تاريخي مؤصّل قبل الأديان ونواظمها إذ شكل شريعة فوق التشريع. ومثالاً عليها:

الطائفة العلوية: تستمدّ العديد من أحكامها الحياتية من المذهب الجعفري، وتتبع بقوانينها للمحكمة الشرعية، لكنها تمنع المرأة من المشاركة في أمور الدين، ولا توريث لها ولا حقوق، فالعازبة لا ترث أباها (لا ضرورة للميراث) وتبقى ببيت أبيها، والمتزوجة (لا إرث للصهر) (21)، ولا ترث زوجها إلا بما يسمح به أولادها وهو البقاء ببيت الزوجية مع أحد أولادها أو كلهم، فالعُرف أقوى من التشريع.

وتجدر الإشارة إلى أن تعدّد الزوجات غير وارد بناء على (كراهة مجتمعية وليست نصية).

طائفة -الموحدون الدروز-: حظيت باعتراف رسمي كمجتمع ديني منفصل مع نظام محاكم دينية خاص بها في فترات متفاوتة وأحكام متفاوتة نسبياً في كل من لبنان و”إسرائيل” والأردن وسورية. ووفقاً للقانون السوري 1953 استقلّت الطائفة الدرزية في المادة (307) في تطبيق بعض الأحكام أهمها: (لا يجوز تعدّد الزوجات، ولا يقع الطلاق إلا بحكم القاضي وبتقرير منه، ولا يجوز عودة المُطلَقة إلى عصمة مطلِّقها، تنفذ الوصية للوارث، ولغيره بالثلث وبأكثر منه) (22). وفي عام 1961 اعْترِفَ بقانون المحكمة المذهبية الدرزية وفقاً للمرسوم التشريعي رقم (98)، فلا يكون عقد الزواج صحيحاً إلا إذا أجراه شيخ العقل أو قاضي المذهب ومن أنابه، وأي زواج خارجه يُعدّ باطلاً (23)، لتكون السمة العامة هي منع الزواج من غير الطائفة وتنال من المرأة أكثر مما تناله من الرجل، وتصل عقوبتها حتى يومنا هذا إلى (القتل/الشرف) وفي حدودها الدنيا المقاطعة للفتاة وأحياناً يقاطَعُ أهلها لتسامحهم مع ابنتهم (العار).

أما مسألة الميراث فالأنثى لا ترث في حال عدم وجود وصية، وتحال نظرياً إلى تطبيق النصوص الشرعية الإسلامية حول قانون الإرث، أما عملياً فإنها لا ترث مطلقاً إنما تسكن في (غرفة مقاطيع)، وهي غرفة من منزل الأهل تخصّص للإناث (العزباء، المطلّقة، الأرملة) اللاتي لا يبقى لهن معيل أو معاش، فالمقاطيع في العرف المحلّي من لا سند لهنّ. وبالمقابل يكون لهذه المرأة من الغرفة حق الانتفاع فقط وهو ما يعني بأنه لا يحق لها أن تبيعها أو تورثها لأولادها، فقط يحق لها الانتفاع منها كأن تقوم بتأجيرها أو السكن فيها وهو ما يعني حرفياً حرمانها من ميراثها الشرعي. وهذه العادات مازالت تطبق حتى اليوم وفي بيئة تبدو في ظاهرها متحرّرة كفايةً لتضع حداً للغبن تجاه المرأة، ولا يسلط أبناء الطائفة الضوء عليها إلا نادراً أي وعلى سبيل المثال حين تعدها منظمات المرأة والمجتمع المدني جوراً.

  • جرائم الشرف عرف يدعمه القانون

ما عاشته المجتمعات العربية في تركيبتها القبلية، جعلت من تكوين السمعة الأخلاقية أهم منجز يحاول المجتمع حمايته والحفاظ عليه، وهو متوقف على قضية الشرف وارتباطها بكليتها بجسد المرأة، لتحمل وحدها هذا الشرف، لا بالمعنى الإيجابي بتشريفها كحامل للشرف، بل بالمعنى السلبي، إذ تُحاسب على الإخلال والإساءة لهذا الشرف، وصولاً للقتل في حال أقامت علاقة برجل أو اشتُبه بذلك مع حماية قانونية للقاتل، ليكون هذا العُرف جزءاً من القانون السوري حتى وقت قريب.

مع التحرك الحقوقي وحملة مناهضة جرائم الشرف التي انطلقت منذ العام 2005 لوقف العمل بقانون العقوبات رقم (148) لعام 1949 الذي يُعفي القاتل من العقوبة في حال القتل بدافع الشرف، ويمنحه عذراً مُحِلاً من هذه العقوبة. طرأ عام 2009 أول تغيير عليه، فبات القاتل بهذا الدافع يُحكم مدة سنتين كحدّ أقصى، مع إيجاد التخفيفات اللازمة، إلى أن صدر المرسوم رقم (1) لعام 2011، فاستبدلت المادة (548)، بالمادة (15) من المرسوم رقم (1) لعام 2011، إذ أقرّت العقوبة في ارتكاب جريمة بدافع الشرف من 5 إلى 7 سنوات  وألغي بموجبها استفادة القاتل من العذر المُحِل من العقوبة، في حين أنها لم تتطرق إلى “الحالة المريبة” التي كانت مبرراً لمنح العذر المخفف في القانون القديم، وكان الإبقاء عليها يعرّض الكثير من النساء لخطر القتل تحت ذريعة “الدافع الشريف”، وحجة “الحالة المريبة” التي تسمح للقاضي بأن يُعفي المحكوم عليه من لصق الحكم ونشره المفروضين كعقوبة في حال عدم القدرة على إثبات الزنا(24).

وقد بقيت هذه الجريمة لها حواضنها المجتمعية الداعمة، وشهدت تزايداً منذ قيام الثورة السورية خصوصاً في مناطق سيطرة الفصائل المتشددة “داعش والنصرة” التي دمجت قضية القتل/الشرف مع تطبيق الحدود الشرعية، لنشهد جرائم الرجم حتى الموت، والإعدام رمياً بالرصاص لارتكاب أفعال “منافية للأخلاق”، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي كحدث لا ينفصل عن تبرؤ المجرم من دم الضحية(25).

حقوق المرأة في منظار الذكورة

في المجتمعات التي يختلط فيها الديني والمجتمعي الثقافي، فإن العادات والتقاليد والأخلاقيات كافة تنشأ وتحدد وظيفتها بواسطة الطبقة المميزة (الرجال)، وبغرض تحقيق الأمجاد الشخصية والمصالح الشخصية للرجل، إذ ما تزال حقوق المرأة وقضاياها مشكلة العصر، تنقسم الآراء حولها بين مخالف ومؤيد، وفي كلا الاتجاهين تبرز إشكاليات عدة أهمها:

أولاً: المصلحة الذكورية كموجّه، في الاتجاه الأول: يجري تأكيد مصلحة الرجل من خلال إبعاد المرأة عن حقوقها، فأي حديث يجعل (الأنثوية المطوّعة) متساوية مع (الذكورة المتعالية)، يُعدّ نزعاً للهوية الأنثوية المتأصلة تاريخياً منذ عهد الآلهة الذكورية، ويجري التصدي له على أنه غزو ثقافي ينال من توازن هذه المجتمعات، وفي الثاني: يجري تأكيد مصلحة الرجل من خلال نيل المرأة (بعض حقوقها) التي تشكل دعماً معنوياً من الناحية الاقتصادية (العمل) والاجتماعية (تحمل أعباء الحياة) فتحررها الجزئي يكسبها حريتها في علاقتها معهم.

ثانياً: كلاهما يستند إلى إيديولوجيا دينية مجتمعية تعتمد أبجدية المعطيات البيولوجية، والتسليم بوهم الانصياع للطبيعة في التفريق بين الأجناس، بما يبقي هذه الحقوق منقوصة لا تهزّ عرش المجتمعات وتغيّر نظرتها للحرية والإرادة، وذلك رغم المتغيرات التي طرأت على بناء الأسرة، وتقلّص قضايا الفصل والانفصال بين الجنسين، نتيجة حالة التطور والعولمة وما حملته من رياح التغيير التي طالت بنية المجتمعات العربية حتى المغلقة إذ يتحول فيها جسد المرأة كرهان للصّراع الاجتماعي بين خطاب الحداثة وخطاب الشرف. 

ثالثاً: حالة الاطمئنان بعدم انكسار المسلّمات في (تفوّق الذكورة)، فمهما بلغ وعي المرأة لدورها في التعلّم وسوق العمل وتكليفها بمهام تخصّ الرجال، ستبقى مقصية عن العديد من المجالات شديدة الانتقائية كالسياسة والدين واتخاذ القرار. وكذلك ستبقى الأحكام المعيارية المجتمعية والثقافية التي شكلت شريعةً وقانوناً فوق القانون هي مربط الفرس، في تجسيد انتصار الرجل وتحكّمه بالعائلة وإلزام المرأة بالطاعة أمام المجتمع والقانون، وهذا يتطلب تغيير نظرة المرأة إلى وجودها كذات مكتملة لا مكمّلة، وعدِّ علاقتها بالرجل علاقة مساواة حقوقية وفكرية وعملية، فهو السبيل للخروج من هامشيتها، وهذا لم تصل إليه غالبية النساء.

خاتمة

ما فجّره الخطاب الأنثربولوجي المعاصر حول مفهوم الذكورة والأنوثة كصفات ثقافية، هزّ معتقدات العقل المغلق حول ثبات الطبيعة البشرية، ليستفيق القلق الرجولي دفاعاً عن حدود جنسية تقليدية جرى تفصيلها تاريخياً وتدعيمها بالمقدّس الديني والأعراف المجتمعية التي كوّنت وجوداً منقوصاً للمرأة مفصَّلاً على حجم تفوّق الرجل وحقوقاً مصادرة تخدم مصلحته، فأي انزياح نحو التوازن يقابله سقوط الذكورة الأسطورية المعتاشة على تراكمات الخطيئة الأولى، وحرمان الرجل الاقتراب من الله ونفيه من الجنة إلى الأرض، وأي فعل تحرري آثم ومدان، وأي حديث عن الحقوق والمساواة فيها اعتداء على منظومة الحدود البيولوجية التي انتصر فيها الإنسان على الإنسان.


مراجع

  1. (سفر التكوين، الاصحاح 21:2)
  2. Pdf أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، فريدريك إنجلز، ترجمة: الياس شاهين، صفحة 41. 
  3. Pdf الجنس الآخر، سيمون دي بوفوار، نقله إلى العربية لجنة من الأساتذه – صفحة 90
  4. Pdf النظام الأبوي وإشكالية الجنس عند العرب، إبراهيم الحيدري- دار الساقي بيروت 2003، الطبعة 2003- صفحة
  5. الذكورة والأنوثة صدام الهويات الجنسية، يسرى مصطفى – وطني https://www.wataninet.com ›
  6. Pdf هكذا تكلم زرادشت، فريدريك نيتشة، ترجمة: فليكس فارس- الاسكندرية 1938 –صفحة 46).
  7. Pdf الغرب والعالم، كافين رايلي، ترجمة: عبد الوهاب محمد المسيري – عالم المعرفة العدد 90- صفحة 31).
  8. Pdf الطبيعة البشرية، ألفريد أدلر، ترجمة: عادل نجيب بشرى- المشروع القومي للترجمة- صفحة 129)
  9. المرجع السابق صفحة 16.
  10. جسد المرأة والدلالات الرمزية: دراسة أنثروبولوجية بمدينة عمّان (الأردن)، ميسون العتوم- إنسانيات،  https://journals.openedition.org/insaniyat/13900
  11. مرجع سابق الغرب والعالم صفحة 62
  12. Pdf الفكر البري، ليفي شتراوس، ترجمة: نظير جاهل- المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر- الطبعة 2007- صفحة 134.
  13. Pdf فصول عن المرأة، هادي العلوي- دار الكنوز الأدبية، بيروت- الطبعة الأولى 1996- صفحة 21.
  14. مرجع سابق الفكر البري صفحة 231
  15. Pdf مساهمة في علوم الانسان، إيريك فروم، ترجمة: محمد حبيب، دار الحوار للنشر- الطبعة الأولى 2013- صفحة 95.
  16. مرجع سابق الطبيعة البشرية– صفحة 168
  17. بحث المرأة في مسارات التنمية، بقلم: هوازن خداج- مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 
  18. ميراث المرأة اليهودية https://drghaly.com/articles/display/11886
  19. المكتب الإعلامي لبطريركية الروم الملكيين الكاثوليك – قانون الأحوال الشخصيَّة للطوائف الكاثوليكيَّة في سورية www.pgc.sy/…/قانون-الأحوال-الشخصية-للطوائف-الكاثوليكيَّة-
  20. المرسوم رقم 7 حول الإرث والوصية لطائفتي الروم الأرثوذكس والسريان الأرثوذكس http://musawasyr.org/?p=2070
  21.  المرأة في الطائفة العلوية… لا توريث ولاحقوق – أنا إنسان – رام أسعد المرأة-في-الطائفة-العلوية-لا https://www.iamahumanstory.com/…/
  22. تاريخ الرئاسة الروحية ومشيخة العقل – العمامة www.al-amama.com/index.php?option=com_content&task..
  23. المحاكم الروحية في سورية، رزق الله الأنطاكي – معابر http://www.maaber.org/issue_may07/lookout2.htm
  24. “جرائم الشرف” عرف على دم النساء، نور دالاتي/ حلا إبراهيم/ رهام الأسعد- عنب بلدي https://www.enabbaladi.net/archives/259813
  25. سوري يقتل أخته أمام الكاميرات بحجة غسل العار – يوتيوب Oct 23, 2018 – Uploaded by Syria TV  تلفزيون سوريا https://www.youtube.com/watch?v=cI6ukP0zLF8

هذه المادّة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.