الفلسفة؛ (الحكمة) في النص القرآني

صفحات من القرآن

بحث يجري مقاربات ما بين مفهوم الحكمة في النص القرآني ومفهوم الفلسفة بصفة عامة؛ ليبين أن موقف بعض الإسلامويين من الفلسفة ليس صحيحاً؛ ويؤكد أن لا تعارض في مقاصد الفلسفة بوصفها علماً مع النص القرآني من خلال المحاور الآتية:

  • ما هي الفلسفة وكيف نفهمها؟.
  • الفلاسفة الأوائل في العالم.
  • فلاسفة الإغريق.
  • فلاسفة الشرق.
  • الفلسفة في ظل اليهودية والمسيحية.
  • الإسلام وموقفه من الفلسفة.
  • هل تتعارض الفلسفة مفهوماً مع النص القرآني؟.
  • مقاربات وتنافرات وتهافت الفقهاء في موقفهم من الفلسفة.

مدخل:

تعرضت أم العلوم، الفلسفة، لهجوم مستمر عليها وعلى الفلاسفة، منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها فقهاء الديانات السماوية ومشرّعوها، وخصوصاً الديانة الإسلامية، على افتراض أنها -الفلسفة- ضرب من ضروب الإلحاد والوثنية، وبأنها تفصل بين الذات الإلهية المكوِّنة للكون والمسؤولة عن مخلوقاته والذات البشرية العاقلة على افتراض أنها تمتلك تفسيراتها الخاصة حول نشوء الكون، ونظرتها إليه، ودراسة الإنسان (باطنه ومحيطه)، مستندة إلى العلم.

ما هي الفلسفة؟

الفلسفة، كما جاءت في مجمل التعريفات1، هي عبارة عن كلمة مركبة من (فيلو) وتعني باليونانية (محب) و(سوفيا- صوفي2) وتعني (الحكمة) أي إن كلمة فيلسوف تعني (مُحب الحكمة) وتدل أيضاً على الناطق بها، والفلسفة من ثَمّ تعني (محبة الحكمة) و(النطق بالحكمة).

ومن خلال التعريف، وأصله، يتبيّن لنا بأن أول من جعلوا من الفلسفة علماً خاصاً بحد ذاته، هم الإغريق- اليونانيون، ومنهم انتشر هذا العلم ليغزوا بقية بقاع العالم قديماً وحديثاً، على الرغم من وجود أصول لعلوم فلسفية في حضارات المشرق القديم التي سبقت الحضارة الإغريقية بقرون عدة، لكنها لم تُؤطّر، أو تتحدد، بوصفها علماً مثل بقية العلوم، كما حدث عند قدماء اليونان.

عالجت الفلسفة ثلاثة مسارات رئيسة، هي: الكون والإنسان والحياة. ومن هذه المسارات تفرّعت بقية العلوم الأخرى، بما فيها العلوم الدينية التي انتشرت في المجتمعات البدائية والمتحضّرة جميعها، منذ ما قبل ظهور الديانات التوحيدية، السماوية والوضعية، ومنذ اللحظة الأولى التي لجأ فيها الإنسان البدائي إلى عبادة (الطوطم)، الذي كان نتيجة ناجزة من تفكيره الفلسفي بالحياة والكون وجهله بعلوم ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا)، حالَ تعرّضهِ لعوامل الطبيعة كعاصفة أو مطر أو ريح عاتية، أو مرض ما، أو ما هو أعقد من تلك العوامل كلها (الموت).

ومن هنا، تعلّم الإنسان فنّ الهندسة ليبني بيته البدائي البسيط الذي يؤويه ويحميه من خطر الطبيعة، نتيجة الحكمة- الفلسفة. وتوصّل إلى فكرة الزراعة والتدجين كي يوفّر غذاءه اليومي، نتيجة الحكمة. وأسس المجتمعات الأولى ليشعر بالقوة والمنعة، نتيجة الحكمة. ونحت الأخشاب والصخور ليبني منها أسواراً وحصوناً تحمي ذلك المجتمع الذي أسسه، نتيجة الحكمة أيضاً. وابتكر علم الطب ليعالج الأمراض والأسقام، ويواجه الموت الذي يتعرّض له أبناء مجتمعه، كذلك نتيجة الحكمة.

وقبل ذلك كله، توصّل ذلك الإنسان إلى فكرة دفن موتاه باحترام وتقدير، نتيجة إيمانه بحياة ما بعد الموت، أيضاً نتيجة الحكمة- الفلسفة.
نتيجة لما سبق كله، ولارتباط المعارف كافة بالفلسفة، أطلقنا تسمية (أم العلوم) عليها.

الفلاسفة الأوائل

الإغريق

قسّم المؤرخون الفلاسفة الإغريق إلى قسمين: الأول، ما قبل (سقراط)، وأهم أولئك الفلاسفة هم: الفيلسوف والشاعر (بارمينيدس، 510 ق.م. – 560 ق.م)، والفيلسوف والعالم الرياضي (فيثاغورس، 570- 495 ق.م)، وصاحب مفهوم اللانهائية في الفلسفة (زينون الإيلي، 490 ق.م – 430 ق.م)، والفيلسوف الفيزيائي (إيمبيدوكليس 490 ق.م إلى 430 ق.م) صاحب نظرية العناصر الأربعة للمادة، القائلة بأن المادة تتكوّن من أربعة عناصر أساسية: التراب، الهواء، النار، والماء.

الثاني: سقراط وما بعده، وأهمهم بالطبع الفيلسوف صاحب المرحلة (سقراط 469 ق.م – 399 ق.م) الذي اجترحَ منظوراً جديداً كلياً بتحقيقه نتائجَ عمليّة من خلال تطبيق الفلسفة في حياتنا اليومية، وهو الأمر الذي كان غائباً إلى حدّ كبير في نهج فلاسفة ما قبل سقراط. وقد نأى سقراط بنفسه بعيداً عن التخمينات المادية المتواصلة التي أشغل بها الفلاسفة السابقون أنفسهم تحليلاً واستيعاباً. وحاول إرساءَ نظامٍ أخلاقيّ يقوم على إعمال العقل البشري بدلاً من التسليم للعقائد الدينية المتنوعة والمتنافرة بطبعها.

وفي نهاية المطاف قادته معتقداته ومنهج فلسفته الواقعي إلى الإعدام. ولكن يُمكن القولُ بأنّ طفرته الفلسفية، بالدرجة الأولى، هي ما جعلته الشخصية الأيقونية التي نعرفها.

بعد سقراط يأتي تلميذه (أفلاطون 427 ق.م – 347 ق.م) الذي استرسل في الدمج بين المنهجين الفلسفيين الرئيسين: ما ورائيات، فلاسفة مرحلة ما قبل سقراط ومعتقداتهم بخصوص الطبيعة مع المعتقدات الأخلاقية السقراطية.

وبالنسبة إلى أفلاطون كان أرقى أشكال المُثل هو (الخير) الذي اعتبره مصدر الوجود والمعرفة. وتقدِّم أغلب أعماله -وبالأخص عمله الأهم (الجمهورية)- مزيجاً لأوجه متعددة من علم الأخلاق، الفلسفة السياسية، والما ورائيات وغيرها مسكوبةً جميعها في قالبِ فلسفةٍ عمليّة، منهجية، وذات معنى.

ويأتي ثالثاً (أرسطو 384 ق.م – 322 ق.م) وهو أكثر تلاميذ أفلاطون تأثيراً. وبنى أرسطو تفسيراته على الحقائق المكتسبة من التجربة الحياتية، وهذا اتجاه يختلف عن أسلوب أستاذه الذي فضّل منهجاً متجاوزاً للمحسوسات. أثبت أرسطو مقدرةً كتابيةً خصبة ولغوية مبدعةً، إذ قام بإعادة صوغ المفهومات السائدة وهيكلتها في مجالات المعرفة التي اشتغل بها معظمها. ويُعتبر أرسطو رمزاً مهماً من فلاسفة اليونان القدامى، وانتشر تأثيره خارج حدودها مكاناً وزماناً.

أما (طاليس 620 ق.م – 546 ق.م)، فيعتبر أبو الفلاسفة الإغريق بالنسبة إلى كثير من المؤرخين، ويتربع على رأس القائمة لدوره المحوري في تخصيب تربة الفلسفة الإغريقية التي انبثقت منها الأجيال اللاحقة من مشاهير المفكّرين، المنظّرين، المناطِقة، الفلاسفة، والمشتغلين بالماورائيات3.

والحال أنني مررت على ذكر فلاسفة مع أهم الجوانب العلمية- الفلسفية التي عملوا فيها، للإحاطة بقدر الإمكان بما اشتملت عليها علوم الفلسفة في تفسير أهم ما حاز على اهتمام الفكر الإنساني، روحياً ومادياً، خلال مسيرة تاريخه، ومن ثمّ مناقشتها ضمن السياق الديني لاحقاً.

فلاسفة الشرق

يختلف فلاسفة القارة الآسيوية، ومنهم من عاصر فلاسفة الإغريق، بأن الشعوب التي نهلت من فلسفتهم عدّتهم أنبياء ورسل، بل تخطى هذا الاعتقاد تلك الشعوب ليشمل نسبة كبيرة من مفكّري العالم وعلمائه وفلاسفته، ومن بينهم علماء مسلمون كُثر استندوا في فرضياتهم إلى آيات كريمة كتلك التي تقول: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (فاطر:24).

وقد ذكر الله عز وجل بأن أولئك الرسل متتابعين، كل رسول يتبعه رسول آخر: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضاً وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْداً لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) (المؤمنون 44). وأكثر الآيات دلالة على فرضية (نبوّة) هؤلاء الفلاسفة، وغيرهم، وربما كان بعض فلاسفة الإغريق منهم، هو في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ) (غافر 78).

وكما نلاحظ، فإن الآية الأخيرة، وسابقاتها، تثبت بأن الأنبياء والرسل قد انتشروا في بقاع الأرض كلها، وهم أكثر من الذين ذكرت أسماؤهم وقصصهم في القرآن الكريم.

إضافة إلى فرضية نبوة فلاسفة آسيا ورسالتهم، ممن سنمرّ على ذكر أهمهم، ما تزال شعوبهم وفئة من الشعوب الأخرى تؤمن بهم وتعتنق (فكرهم- دياناتهم) حتى اللحظة، وهم يشكّلون نسبة كبيرة من عدد سكان الأرض.

أول أولئك الفلاسفة هو (كونفوشيوس)، الذي يعتبره الصينيون، كما أسلفنا، نبياً ورسولاً، فأفكاره وتعاليمه أساس عقيدتهم التي ظلوا يدينون بها، منذ أن ظهرت في بدايات القرن الخامس ق.م، في مدى 25 قرناً.

ويتلخص المذهب الأخلاقي والسياسي عند كونفوشيوس في أن أي نظام اجتماعي صحيح ومتكامل، إنما يقوم على تزويد الأفراد بالأخلاق الحميدة، وهذا يتحقق بالتربية والتعليم إلى جانب وجود حاكمِ على خلق قويم، يكون قدوة لشعبه ونموذجاً يحتذى به. ويرى كونفوشيوس أن الأخلاق إذا وصلت في المجتمع إلى مستواها المنشود أغنت عن القوانين والتشريعات والقضاء4.

أما الفيلسوف (بوذا) الذي ولد عام 560 ق.م الذي لا يقل أهمية عن كونفوشيوس، فهو مؤسس الديانة البوذية أو كما يسميها بعضهم الفلسفة البوذية. ويقدّر عدد معتنقي فكره بحوالى 300 مليون شخص، موزعين بين الهند والصين واليابان والتيبت وكوريا ومناطق قريبة أخرى.

كان من أبرز الأفكار والعقائد التي بثّها بوذا بين النّاس فكرة أنّ الحياة الدّنيا هي مجموعة من المتع والزّينة التي تتحرّك نحوها أنفس البشر بما جبلت عليه من شهواتٍ ورغبات ونزوات سمّاها (الكارما)، وإنّ وسيلة التّخلص من الكارما هي التقشّف وقتل تلك الرّغبات في النّفس ابتداءً وذلك حتّى يصل الإنسان إلى مرحلة الصّفاء الرّوحي والنّقاء الذّهني التي سمّاها (النّيرفانا)، وإنّ ذروة هذه الحالة تكون عندما يموت الإنسان ويرحل بعيداً عن الدّنيا.

ويرى بوذا أنّ علاقة الخلق بالخالق كعلاقة محبّ لحبيب لم يره أو يتلمّس وجوده، وقد كان تركيزه على الأخلاق والشّرائع منهج حياة5.
والفيلسوف الثالث هو (زرادشت)، المعاصر أيضاً لبوذا، وقد نشر فلسفته- ديانته في منطقة فارس، المتاخمة لأتباع الديانة البوذية آنذاك، قبل أن تتقلص لتصبح دولة إيران الحالية. وانتشرت تعاليم زرادشت خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، وتوسعت لتغدو الديانة الرسمية لبلاد فارس حتى الفتح الإسلامي (القرن السابع الميلادي) الذي قضى على الحكم الفارسي الساساني، ليحل الدين الإسلامي محل الديانة الزرادشتية.

وعدّ المسملون الديانة الزرادشتية إحدى فرِق (المجوس) وأكبرها، الذين يؤمنون بفكرة (المثنوية) القائلة بوجود الله الذي يمثل الخير والشيطان الذي يمثل الشر، وجزء منهم يقدّس النار التي يعدّونها رمزاً للنور، بل أصبحت صفة المجوس مقترنة بالزرادشتية ومقتصرة عليها.

وتتمتع الزرادشتية (بأخلاق اجتماعية قوية إيجابية، فالعمل هو ملح الحياة ولكن خلق الشخص لا يعبر عنه فقط في ما يفعل ويقول، بل بأفكاره، فلا بد للناس أن يقهروا بعقولهم الشكوك والرغبات السيئة وأن يقهروا الجشع بالرضا، والغضب بالصفاء والسكينة، والحسد بالإحسان والصدقات، والحاجة باليقظة والنزاع بالسلام، والكذب بالصدق6).

والله عز وجل، في الزرادشتية، هو الموجود الأعظم والأفضل والأسمى، لايصدر عنه إلا الخير أما الشر، فيرجع إلى الشيطان7.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه، هو أن الإسلام عامل أتباع زرادشت –المجوس- معاملة أهل الكتاب؛ إذ نلمح في بعض كلامه بعضاً من ملامح التوحيد، والبعث، والجنة والنار.

واستدل المسلمون على (كتابية) أتباع زرادشت من خلال ما ورد في الكتاب والسنة، ومنها الآية الكريمة: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الحج /17، إذ ألحق الله عزّ وجل المجوس بأهل الكتاب وفصلهم عن المشركين (الذين أشركوا).

وورد في الصحيحين أيضاً، حديث أبي هريرة عن الرسول عليه الصلاة والسلام الذي قال فيه: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجّسانه… إلى نهاية الحديث)8. وهذا تشميل للرسول الكريم للمجوس مع أهل الكتاب اليهود والنصارى، وقال فيهم أيضاً، ما ورد في صحيح البخاري: (سنّوا بهم سنة أهل الكتاب)9. واستدل المسلمون أيضاً على أنهم كتابيون من خلال أخذ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، الجزية منهم.

تنويه لا بد منه

قبل الانتقال إلى الباب التالي، أود الإشارة إلى موضوع ربما يساعدنا في رسم صورة تقريبية لما طرحناه حول الفلاسفة الثلاث الذين مررنا عليهم مؤخراً.

كان المسملون الأوائل يقسمون القوى السائدة في ذلك الزمان إلى قوتين رئيستين، وهما الروم والفرس، اللذين تقاسموا النفوذ والسيطرة على العالم القديم آنذاك قبل انتشار الفتوحات الإسلامية. وكان يطلق اسم الروم عموماً على المنطقة الجغرافية الواقعة في الجزأين الشمالي والغربي للجزيرة العربية، أما اسم الفرس فكان يطلق على الجغرافيا الشرقية عموماً.

هذا من الناحية الجغرافية، والبشرية أيضاً. أما من الناحية الدينية، فقد كانت المسيحية (النصرانية)، هي الديانة الرسمية للروم عموماً على الرغم من وجود وثنيين موزعين هنا وهناك داخل أراضي الإمبراطورية الرومانية- البيزنطية. أما المجوسية، فكانت تطلق على ديانة شعوب الجزء الشرقي الذي يسيطر عليه الفرس عموماً.

(بالنسبة إلى أتباع الديانة اليهودية، لم ينظر المسلمون إليهم بوصفهم قوة دولية أو دينية، وإنما مجموعة عشائرية دينية محدودة لها نظامها الاجتماعي الخاص داخل أراضي القوى الدينية المسيطرة، نصرانية كانت أم مجوسية أم إسلامية، لأن اليهودية ليست ديانة تبشيرية كالديانات الثلاث الأخيرة، وكانت تمثّل دائماً فئة من فئات الأقليات داخل المجتمعات الكبرى).

وما أود الإشارة إليه هو أن: المجوسية بوصفها أحد الأديان (الكتابية) التي عاصر معتنقوها الرسالة الإسلامية التي طالما أشار إليها القرآن الكريم والحديث الشريف. من الوارد جداً أن يكون المعنى بها، إضافة إلى الزرادشتية، أتباع الديانات المشرقية الأخرى (الكونفوشيوسة والبوذية)، وبخاصة أن الفرس كانوا يسيطرون على مساحات واسعة يقطن فيها أتباع الفلسفتين المذكورتين، واللتين تشتملان أيضاً على فكرة (المثنوية) في بعض تعاليمهما، ومن الطبيعي جداً أن يطلق المسلمون صفة المجوس على الفرس من دون شعوب بقية المناطق (الهند والسند وما وراء النهر) لأن الدولة الفارسية كانت القوة المسيطرة المتاخمة للدولة العربية الإسلامية في بداية انتشارها، وأول الأطراف التي اصطدم معها المسلمون في زمن الفتوحات الشرقية.

ثم إن القرآن الكريم لم يأت أبداً على ذكر (الفرس) أو الدولة الفارسية في سوره، على الرغم من أنه ذكر الروم، وخصص لهم سورة من سوره، لكنه أشار إلى المجوسية بوصفها ديانة، كما جاء في الآيات التي مررنا عليها، ولم يحصرها لا بالفرس ولا بقومية أخرى إطلاقاً، ما يعزز وجهة نظرنا بأن المجوسية كانت شاملة لمعتقدات شعوب الشرق.

لمحة عن الفلسفة في ظل الديانتين اليهودية والمسيحية

لم تشر المصادر القديمة إلى وجود خلاف أو تصادم فعلي بين معتنقي الدين اليهودي وأَتباع علم الفلسفة، ذلك بكل بساطة أن الديانة اليهودية محددة بجماعة (عرقية) معينة، إن صح التعبير، وهي ليست ديانة (تبشيرية) كالمسيحية والإسلامية، والمجوسية قبلهما، وبعض الديانات والطوائف الأخرى. ومن ثَمّ فإن اليهودي يبقى يهودياً وإن تأثّر بعلوم الفلسفة، وذلك لن يغيّر من طبيعة أفكاره ومعتقداته الدينية- القومية.

وهذا لا ينفّي تأثر اليهود بالأفكار الفلسفية التي تطرقنا إليها، وتأثيرهم الديني والفكري فيها، وهناك عدد من المصادر التي تدعم اعتقادنا هذا، لكننا لسنا بصدد التطرّق إليها في مبحثنا هذا.

إلا أن اليهود اصطدموا مع المسيحيين الأوائل واتهموهم بالهرطقة (وهي التهمة التي عادة ما كانت توجّه إلى الفلاسفة نتيجة تعارض أفكارهم مع المسلّمات الدينية داخل مجتمعاتهم منذ القرن الخامس قبل الميلاد وصولاً إلى أواسط الألف الثانية الميلادية).

أما بعد انتشار الديانة المسيحية، وعلى الأخص في القارة الأوروبية، ما بين القرنين الرابع والسادس عشر الميلاديين، تعرّض أتباع الفكر الفلسفي -وجلّهم من العلماء والمفكّرين المتنوّرين في مختلف مجالات العلوم- لشتّى صنوف القمع والتعذيب نتيجة سيطرة المفهوم الديني الكنسي في أوروربا العصور الوسطى، هذا المفهوم الذي أوقف عجلة التطوّر المعرفي مستغلّاً الشعور الديني المفروض آنذاك على الشعوب الأوروبية، وخوفاً من تحوّل مراكز القوى من رجال الدين إلى رجال العلم و(الحكمة)، وعلى الرغم من ذلك استطاع فلاسفة العصر الحديث إدخال أوروبا إلى عصر النهضة لاحقاً.

في تلك المرحلة، كان الدين الإسلامي يشهد أوج اتساعه الجغرافي والثقافي، في غرب آسيا، وشمال أفريقيا، وفي شبه جزيرة إيبيريا (الأندلس).

إلا أن دخول أوروبا، لاحقاً، في عصر النهضة، أدى إلى بروز عدد من الفلاسفة المحدثين، من أبناء الديانتين اليهودية والمسيحية، الذين كانوا الركيزة لإعادة انتشار الفلسفة الحديثة، بتفرعاتها كافة، في أنحاء العالم جميعها.

الإسلام والفلسفة

هل تتعارض الفلسفة مع النص الديني في الإسلام؟

في الواقع، ما دفعني إلى السير في دروب موضوع هذا البحث كاملاً هو كلمة أثارت تفكيري في أماكن عدة كلما قرأت ما تيسّر من آيات القرآن الكريم، وبقدر ما كان وقع هذه الكلمة على صدري يسيراً ومطمئناً، كان وقعها على عقلي مثيراً للتأمّل والتفكّر فيها ساعات طوال.

مصطلح الحكمة في القرآن الكريم بين الفلسفة وتأويلات المفسرين

يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (سورة الجمعة، الآية2).

وفي آية أخرى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (آل عمران، 164).

وكذلك قال تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ) (١٢٩ البقرة).

نلاحظ بأنه لا يوجد اختلاف بين المفسّرين جميعهم على أن المقصود بـ (الكتاب) الذي ذكر في الآية الكريمة هو القرآن الكريم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى (الأميين) والمقصود بهم العرب10، ولكن ما معنى كلمة (الحكمة) في الآيات الكريمة التي جئنا على ذكرها؟
يورد (القرطبي) في تفسيره: (والحكمة السنة; قاله الحسن. وقال مالك بن أنس: الحكمة الفقه في الدين)11. ويتّفق كل من (الطبري) و(ابن كثير) و(السعدي) مع القرطبي في تعريف الحكمة بأنها (السنة)، لكنهما لم يذكرا في تفسيرهما ما يدل على (الفقه في الدين).
أما ابن عاشور (لم يفسّر الحكمة)، وإنما أضاف عليها في تفسيره كلمة (الشريعة) قائلاً: (يعلمهم الحكمة والشريعة)12.
إذاً، أصبح عندنا ثلاثة آراء في ما يخص معنى الحكمة عند المفسرين: الرأي الأول، ويتفق حوله الأكثرية، القائل بأنها السنّة النبوية الشريفة. والثاني: القائل بأن الحكمة تعني الفقه في الدين. والثالث، ويقول بأنها مرتبطة بالتشريع الإسلامي.
ولكن، ماذا قال المفسرون عن الحكمة في مواضع أخرى من آيات الذكر الحكيم؟
ترد (الحكمة) في عدد من الآيات، فيقول الله تعالى:

(ادع إلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل 125).
– وكذلك في قوله: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) (البقرة 269).
– وأيضاً: (ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ) (الإسراء 39).
– (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) (١٢ لقمان).
– (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ) (٢٠ ص).
– (وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ) (٢٣١ البقرة).
– (وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) (٢٥١ البقرة).
– (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) (٤٨ آل عمران).
– (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (54 النساء).

لنأتِ الآن على أقوال المفسرين وشرح معنى (الحكمة) كما جاءت في الآيات أعلاه. ونبدأ بأول الآيات (سورة النحل رقم 125) (ادع إلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ).

فسّر القرطبي هذه الآية بما يأتي: إن الله أمر الرسول عليه الصلاة والسلام أن يدعو إلى دين الله وشرعه بـ (تلطّف ولين دون مخاشنة وتعنيف)13. أما ابن كثير فيفسرها: دعوة المشركين إلى الإسلام ما أنزله عليه من (الكتاب والسنة)14. وكذلك وافقه الطبري: بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينـزله عليك15. أما السعدي فيفسرها: مخاطبة كل إنسان بحسب حاله وفهمه وقوله وانقياده، ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل والبدء بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب16. وفسرها ابن عاشور: هي المعرفة المُحكمة، أي الصائبة المجرّدة عن الخطأ، فلا تطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة من شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم. ولذلك عرّفوا الحكمة بأنها: معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطىء في العلل والأسباب. وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس واعتقادهم إصلاحاً مستمراً لا يتغيّر17.

ويتفرّد الطنطاوي بتفسيره، إذ شرح الآية الكريمة بمعزل عن زمانها الذي نزلت فيه (وكان نزولها، بحسب القرطبي، في مدّة مهادنة المشركين18، ويقال في صلح الحديبية) فقال الطنطاوي: إنها تأمر الدعاة في كل زمان ومكان أن تكون دعوتهم إلى سبيل الله، أن يراعوا في دعوتهم أحوال الناس، وطباعهم، وسعة مداركهم، ومتغيرات حياتهم، وتفاوت ثقافاتهم. وأن يخاطبوا كل طائفة بالقدر الذي تسعه عقولهم، وبالأسلوب الذي يؤثر في نفوسهم، وبالطريقة التي ترضى قلوبهم وعواطفهم19.

وعلى الرغم من تقارب الشروح بين المفسرين، إلا أن معنى (الحكمة) هنا، جاء في سياق يختلف عما جاءت عليه الآيات في سوَر آل عمران 164، والجمعة 2، والبقرة 129، اللواتي ذكرناها في بداية الفقرة. فالتفاسير الأولى تحدثت عن الحكمة بأنها السنّة والفقه والشريعة، بينما جاء معناها في الآية 125 من سورة النحل، ليدلّ، عند ابن كثير والطبري، بأنها القرآن والسنة، وكل ما أوحي على الرسول عليه الصلاة والسلام، على الرغم من أن القرآن الكريم فرّق بوضوح في الآيات الثلاث الأولى بين الكتاب (القرآن الكريم) والحكمة (السنّة النبوية) بحسب ما جاء في مجمل التفاسير.

أما بالنسبة إلى رأي الطنطاوي، الذي حرر تفسير (الحكمة) -كما أسلفنا- من سياقه الزماني والمكاني، وجعل الحكمة حاجة دينية إلى الدعوة إلى سبيل الله في كل مكان وزمان، من ثَمّ ربط سلوك (الحكمة) بدعاة الإسلام جميعهم وليس فقط بالرسول عليه الصلاة والسلام، فقد أثار مسألة في غاية الأهمية، ستتبين لنا بعد أن نمرّ على بقية الآيات المشتملة على ذكر (الحكمة).

ونتناول الآن تفسير الحكمة في الآية الكريمة (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ) (البقرة 269)

– ففي تفسير الجلالين للآية المذكورة، جاء تعريف الحكمة: العلم النافع المؤدي إلى العمل20.

– وفي التفسير الميسّر: يؤتي الله الإصابة في القول والفعل مَن يشاء من عباده.

– أما الطبري، فجاء في تفسيره: اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم، (الحكمة) التي ذكرها الله في هذا الموضع، هي القرآن والفقه به، ونقل الطبري تفسيراً لابن عباس رضي الله عنه وصف من خلاله الحكمة بأنها (المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وأمثاله. وقال آخرون: (الفقه بالقرآن والعلم به)، وأيضاً (الكتاب، يؤتي إصابته من يشاء)، و(العلم بالدين)، و(العقل في الدين)، و(الفهم)، وآخرون قالوا (الخشية)، ثم أنهى الطبري تفسير الحكمة في هذه الآية عند البعض بـ (النبوة)21.

ونظراً إلى أن الطبري ذكر مجمل المعاني المتعلقة بالحكمة، سنقف عند هذا الحد من التفاسير، لا سيما أن المعاني معظمها مكرر في كتب التفسير الأخرى.

وكما نلاحظ، جاء تفسير الحكمة في هذه الآية الكريمة ليعطي عدداً من المعاني، منها ما هو متطابق، ومنها ما هو مختلف. وبعيداً عن مسألة التطابق أو الاختلاف في معنى الحكمة، نجد الخالق عز وجلّ، في هذه الآية، قد منحها لمن يشاء22 من عباده، ولم يخصّ بها الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. وتفسير الآية الكريمة الآتية سيعزز رأينا هذا بإذن الله:
– الآية 12 من سورة لقمان: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ..).

وسنمرّ أيضاً على تفسير الحكمة في هذا الموضع، من خلال ما اشتملت عليه كتب التفسير، إضافة إلى ما ورد حولها في علم الحديث:
– تحدث تفسير الجلالين عن الحكمة ولقمان في هذه الآية، فأورد: (الحكمة، العلم والديانة والإصابة في القول، ولقمان له حكم كثيرة ومأثورة)23.

– تفسير الطبري: الحكمة هنا، الفقه في الدين والعقل والإصابة في القول من غير نبوّة24.

– تفسير ابن كثير: وقد أورد (قال شعبة، عن الحكم، عن مجاهد (في وصف لقمان): كان لقمان عبداً صالحاً، ولم يكن نبياً)، وفسّر ابن كثير الحكمة في هذه الآية بأنها: (الفهم والعلم والتعبير والفقه في الإسلام. ولم يكن لقمان نبياً، ولم يوح إليه)25.

– تفسير القرطبي: يتفق القرطبي مع تفسير الطبري في أن الحكمة هنا تعني (الصواب في المعتقدات والفقه في الدين والعقل)، لكنه تابع: روي حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لم يكن لقمان نبياً، ولكن كان عبداً كثير التفكر حسن اليقين، أحب الله تعالى فأحبه، فمن عليه بالحكمة)26.

وهنا، قطع القرطبي الشك باليقين بعد ذكره للحديث الشريف، وأثبت أن (الحكمة) لم يكن المقصود بها، فقط، (السنّة) النبوية الشريفة، كما ذكرت تفاسير الآيات الثلاث الأولى التي مررنا على ذكرها في البدء، وكذلك لم تكن –الحكمة- مقتصرة على الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا ما أوضحناه من خلال عرض التفاسير المتعلقة بالآية السابقة (269 من سورة البقرة).

أكتفي بهذا القدر من الإحاطة بمعاني (الحكمة) ودلالاتها التي وردت في مواضع جمة من سور القرآن الكريم. وما الذي مررت عليه كله من التدقيق في كتب التفسير ونسخ ما جاءت به من تفنيدات لمعاني تلك الكلمة الإعجازية، إلا البداية لطرح تساؤل ظلّ يجول في خلدي طوال أكثر من عشرين عاماً.

تساؤل بسيط في طرحه، لكن الإجابة عنه تحتاج إلى الخوض بحذر ودقّة في مطارح هي أشبه ما تكون بحقول ألغام، من الصعوبة تجاوزها إذا لم نكن نمتلك مفاتيح خريطتها:

هل (محبة الحكمة- الفلسفة) تتعارض مع (الحكمة) في القرآن؟

من الطبيعي قبل البدء بخوض غمار الإجابة أن يتحفّظ بعضهم على آلية طرح هذا التساؤل، ومن الطبيعي أيضاً أن نجد البعض يستهجن صورة المقاربة بين محبة الحكمة، المترجمة عن كلمة (فلسفة) أجنبية الأصل، و(الحكمة) كلمة عربية أصيلة، ومصدر لكثير من المشتقات التي جاء ذكرها في سور القرآن الكريم معظمها. ليس ذلك فحسب، بل ليس من المفاجئ أبداً أن يُصَنف هذا التساؤل ضمن خانة المحظورات أو المحرّمات، على الرغم من أن اعتمادنا الرئيس ودافعنا إلى استنباط هذا السؤال، كان القرآن الكريم، وتفاسيره، والسنّة النبوية الشريفة.

مع ذلك، دعونا ننظر إلى الأمر بشكل بسيط من خلال منظورنا الديني والاجتماعي والثقافي:

يقول الله تعالى في محكم آياته: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (118 سورة هود)، وفي الآية الثانية من سورة يوسف التي تليها مباشرة، يقول الله تعالى: (إنا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).

الآية الأولى تفيد بأن الله عز وجلّ شاء أن يجعل الناس أمماً مختلفة، فكرياً ودينياً واجتماعياً، ولغوياً أيضاً. وفي الآية الثانية يخاطبنا الله عز وجل، بلغتنا، ليقول لنا بأنه سبحانه أنزل القرآن باللغة العربية على العرب (بلسانهم ليعقلوه ويفقهوا منه) كما جاء في تفسير الطبري لكلمة (تعقلون) في الآية الكريمة.

وما دمنا قد ترجمنا كلمة (فيلو- صوفي) إلى اللغة العربية، ولم نجد سوى كلمة (الحكمة) مقابل (صوفي)، فهذا يعني أن الكلمة تعطي الدلالة نفسها في اللغتين، على الرغم من اختلاف الأصول والجذور، التي هي من إرادة الله عز وجل وبمشيئته كما جاء في الآيتين الأخيرتين.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه، إذا ما رجعنا إلى بداية هذا البحث، وقارنّا بين ما يشتمل عليه علم الفلسفة من مفهومات، ومناهج فكرية، ونشاط علمي وعملي، مع تفاسير ودلالات (الحكمة) في النص القرآني، سنجد تطابقاً واضحاً بين المفهومين.

هامش توضيحي

قبل التطرق إلى تطابق المفهومين والخوض فيهما، أود تبيان بعض النقاط الضرورية: يجب الأخذ بالحسبان أن الفلاسفة الأوائل -وأقصد الإغريق- هم بشر عاديون، ولم يصلنا أن أحداً منهم كان نبياً أو داعيةً ومصلحاً دينياً كالفلاسفة الذين ظهروا آنذاك في وسط وشرق آسيا (كونفشيوس، بوذا، زرادشت)، وقد عاشوا خلال مرحلة تاريخية وبقعة سادت فيها عبادة الآلهة وتقديسها، مثلهم مثل الحضارات والمجتمعات القديمة المحيطة بهم جميعها، وعلى افتراض عدم انتشار الديانات السماوية في مناطقهم (على الرغم من ذكر القرآن لنزول أنبياء ورسل على الأمم جميعها)، أو ربما كانوا قد عاصروا بعضها ثم عادوا إلى تكريس عبادة الآلهة (الأوثان)، كما حصل تقريباً قبل الرسالة الإسلامية مع عرب الجزيرة العربية الذين كان بعضهم على دين إبراهيم وبعض على دين المسيح ثم عادوا إلى عبادة الأوثان، ومنهم من لم يعتنق أصلاً أياً من تلك الديانات وغيرها على الرغم من وجودها بين ظهرانيهم. ولكن العرب قبل ظهور الإسلام، وعلى الرغم من حداثة عصرهم مقارنة بالإغريق، لم يستطيعوا إنتاج فكر مستند إلى الحكمة- الفلسفة، على الرغم من براعتهم بعلوم الكلام (الشعر والخطابة)، بل إنني لم أقرأ عن شخص اتصف بـ (الحكمة) أو أطلق عليه لقب (حكيم) عند قبائل العرب قبل ظهور الإسلام.

أما إذا اطلعنا على تجارب الفلاسفة الإغريق، سنلاحظ أن مجمل علومهم كانت تتمحور حول ماهية الكون، والظواهر الميتافيزيقية (فلاسفة ما قبل سقراط)، وعلوم الفلك والفيزياء (أرخميدس)، والرياضيات والهندسة (فيثاغورس)، والطب (أبقراط)، وعلم النفس وخفاياه (الفلاسفة معظمهم)، والمنطق (زينون)، والأخلاق (سقراط)، وأنظمة الحكم (جمهورية أفلاطون)، وفنون الأدب كالشعر والخطابة التي يتميز بها أغلب الفلاسفة في اليونان، إضافة إلى السياسة، وعلوم أخرى. وأولئك معظمهم -إن لم نقل جميعهم- لم يعيروا الآلهة ذلك الاهتمام الذي نجده عند بقية أفراد الشعب.

وحين نقرأ تفسيراتهم للكون والإنسان والحياة والفنون، كثيراً ما نلمس إيماناً خاصاً متجذراً في داخل كل فيلسوف منهم، وكأنه كان يبحث عن الذات الإلهية الواحدة، سبب هذا الوجود ومحرّكه، من خلال فلسفته والغوص عميقاً في تحليل النفس البشرية وسبر أغوارها. وأظن، هذا الاختلاف والتميّز عن بقية العوام، هو ما جعلهم محط احترام، وتقديس في بعض الأحايين، داخل مجتمعاتهم المفتقرة إلى الجانب الديني الروحي- العقلاني، إن صح التعبير، والمنجرّة وراء آلهة وشخصيات أسطورية تنسج حولها قصصاً أبعد ما تكون عن تصوّر العقل البشري. بل كان عدد من الفلاسفة ثائراً، دينياً ومعرفياً، على ما كان سائداً آنذاك، ومنهم من دفع حياته ثمناً للـ (الحكمة- الفلسفة) التي أحبها، وحاول جاهداً الولوج من خلالها إلى ذلك الصفاء الديني، وتلك الكينونة الروحية، التي تجسّدت بحَمَلة الرسالة الربانية من الأنبياء والرسل. وحقيقةً، لم ينتشر الفلاسفة فقط في تلك الأماكن التي إذا افترضنا أنها افتقرت -في مرحلة تاريخية ما- إلى الرسل والأنبياء ورسالاتهم السماوية، بل شهدنا ظهور أجيال أخرى لاحقة من الفلاسفة نتيجة فساد مجتمعاتهم التي قامت وازدهرت في بداياتها نتيجة العامل الديني السماوي بالأصل قبل أن يتعرض مدّعو تمثيله للوثات السياسة والأنظمة والمعتقدات البالية والتطرّف، ومثال ذلك ما حصل في أوروبا، التي أفرزت فلاسفتها نتيجة فساد الكنيسة وتسلطها السياسي، واستبدادها، وابتعادها عن دورها الروحي، ومن ثم دخلت عصر النهضة على يد فلاسفة العصر الحديث.

قبل أوروبا، كان لتراجع الدولة الإسلامية وتفككها، في الشرق والغرب، وضعف إدارتها المركزية، وإهمال ساستها لأمور البلاد والعباد، وانتشار الدسائس والفتن، وتحوّل علماء الدين إلى شيوخ للسلاطين، ومحاربتهم للعلماء، وإغلاق باب الاجتهاد، ودخول مفهومات وتفاسير غريبة عن روح الإسلام، وظهور النزعات القومية والطائفية، والتطرّف الديني، ذلك كله أدّى إلى ظهور طبقة من الفلاسفة، معظمهم من الذين اطّلعوا على نتاج الفلسفة الإغريقية من جراء حركة الترجمة التي انتشرت يوم كانت الأندلس وبغداد ودمشق والقاهرة في أوج ازدهارها. وعلى الرغم من ذلك، كان لظهور الفلاسفة العرب في ذلك الوقت، وانتشار أفكارهم، الأثر الفاعل الذي مهّد لاحقاً لظهور فلاسفة النهضة الأوروبية.

مقاربات وتنافرات وتهافت الفقهاء

وبالعودة إلى الحديث حول التطابقات بين الفلسفة، عموماً، ومفهوم الحكمة في القرآن الكريم والدين الإسلامي، نجد أن منهج الحكمة مرتبط بمناحي الحياة الإنسانية كلها، وما يحوطها، والأخلاق والتشريعات، وهي الخطوط ذاتها التي انتهجتها الفلسفة، قديماً وحديثاً، وعند الشعوب كلها. وكما أسبغ القرآن الكريم صفة الحكمة على عدد من الأنبياء والعباد الصالحين الذين اجتمعت فيهم خصال (الحكماء) من النواحي الأخلاقية والمعرفية والحسية والعقلية التي جعلت منهم محط أنظار شرائح المجتمع واحترامها كلها، وإيمانهم من ثَمّ بالرسالة التي حملوها. كذلك كان الأمر بالنسبة إلى الفلاسفة ضمن مجتمعاتهم، إلا أن الفارق الوحيد بين الفئتين، هو أن التفسير القرآني، في بعض جوانبه التي مررنا عليها، إضافة إلى الفقه الإسلامي، يعدان تلك الخصال جميعها باطلة ولا قيمة لها ما لم تكن مؤطرة بعقيدة الإسلام.

ومن هذا المنطلق، كانت الفلسفة- الحكمة، في نظر عدد من فقهاء المسلمين هرطقة وضرباً من ضروب الإلحاد، إذا لم تقترن بالإطار الديني ونصه.

في الواقع، إذا تناولنا، بوصفنا مسلمين متفقّهين، العلوم كافة والمعتقدات الحياتية، واستندنا إليها في تسيير علاقاتنا الاجتماعية اليومية، ونشاطنا العلمي والعملي، من دون الرجوع إلى الكتاب والسنّة، أو حتى إن حاولنا التوفيق بين الطرفين، فنحن نرتكب إثماً عظيماً.
والطامة الكبرى التي جعلت الفلسفة من أكثر العلوم معاداة عند فريق كبير من الفقهاء، هو تناولها لمسألتين اثنتين تعدّان من أشد القضايا تزمتاً في الفقه الإسلامي:

المسألة الأولى: تأكيد الفلاسفة وتشديدهم على إعمال العقل في حل القضايا جميعها المادية- الروحية.

الثانية: إيمانهم التام بالمنطق، بوصفه أهم الوسائل التي يمكن الوصول من خلالها إلى الحقيقة.

وكما هو معروف لدى أغلب فقهاء الإسلام، فإن (الحكم إلا لله) (يوسف40)، ويعدّون أنفسهم الحاكمين بأمر الله على الأرض، من ثَمّ لا يمكن لمسلم، أو غير مسلم يقيم في بلاد المسلمين، الخروج على القواعد والتعاليم التي جاء بها القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة، ومن ثم أضيف إليها مصادر التشريع الأخرى، الاجتهاد والإجماع والقياس. لذلك، لا مكان لعمل العقل والمنطق في قضايا تمسّ المسلمين، وبخاصة أن مصادر التشريع الخمسة التي ذكرناها يعدّها جمهور الفقهاء قد تناولت قضايا الحياة والكون والإنسان جميعها. بل إن أصحاب التيارات السلفية لا تأخذ إلا بالمصدرين الأولين فقط، الكتاب والسنّة، وما عداهما كله يعدّ من البدع والضلال والكفر.
المصدران التشريعيان الكتاب والسنّة، هما الدين الإسلامي كاملاً، ولا يجوز حتى الشك في كمالهما، بدليل الآية الكريمة وتأكيدها: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِيناً) المائدة/3.

إذاً، وبالوقوف عند مصادر التشريع الثلاثة الأخيرة، الإجماع والاجتهاد والقياس، نلاحظ أنها تشريعات شارك في وضعها، وما يزال، أشخاص ممّن امتلكوا معرفة ودراية بأمور الدين الإسلامي، إلا أن يصدر عنهم من (فتاوى) أو (اجتهادات) معظمها تستند أصلاً إلى (العقل والمنطق)، لعدم وجود نصّ ديني واضح أو تفسير ملائم ينسخ تلك الفتاوى.

موقف الفقهاء من الفلسفة والفلاسفة

يدافع الفقهاء معظمهم الذين يدّعون القبول بعمل العقل والمنطق، عن رفضهم للتيار الفلسفي، بقولهم (إن الفلاسفة يرفضون فكرة وجود الذات الإلهية ويرجعون خلق الكون إلى العوامل المادية ويربطونه بالعلم). لكنهم هنا صبغوا أصحاب الفكر الفلسفي جميعهم بصبغة (الإلحاد)، أو (العلمانية) كما يحلو للبعض اليوم توصيفهم، من دون معرفة الفرق الشاسع بين الاتهام الأول والثاني.

ولا شك في أن فلاسفة التيار المادي (الديالكتيكي) أو الوجودي، ومن غير المسلمين معظمهم، يتعارضون مع فكرة الأديان عموماً، وهم لا يأبهون أساساً إن كفّرهم فقهاء هذا الدين أم ذاك.

ولكن، ماذا نقول عن أصحاب التيار الفلسفي الإسلامي الذين برزوا منذ القرن التاسع الميلادي، واستمروا في الظهور حتى نهايات القرن التاسع عشر؟

أولئك الفلاسفة اعتمدوا في الأساس على استخدام الأساليب اللغويّة والمنطقية المستمدة أساساً من القرآن والسنة، لمواجهة المشككين في الإسلام وثوابته، إلى أن تطور فكرهم الفلسفي ووصل إلى ذروته بعد اطلاع المسلمين على الفلسفة اليونانية القديمة.

وظهر جيل من الفلاسفة الذين اختلفوا في منهجهم وبحثهم عن علماء اللغة، فانتقلوا من دراسة النصوص المكتوبة إلى مرحلة إثبات الحقائق بالأدلة العقليّة. وبلغت الأعمال الفلسفيّة الإسلامية ذروتها عند كل من (ابن رشد) في الأندلس، الذي تمسّك بتحكيم العقل بناء على المشاهدات والتجارب، وسبقه كل من (الكندي) الذي لُقّب بالمعلم الأول، و(الفارابي) الذي أسّس مدرسة فكرية كاملة مستمدّة أصولها من أفكار أرسطو.

في الحقيقة كان الكندي أول الفلاسفة المسلمين الذين حاولوا استخدام المنطق في دراسة القرآن، وحاول الوصول إلى الحقيقة عبر دراسة الأديان كلّها. أما الرازي، فقد تعرّض لكثير من الرفض بسبب أفكاره التي اتّسمت بالجنوح نحو عمل العقل، ورفض إقحام الدين في شأن المعرفة الإنسانيّة، ووصل الأمر إلى تكفيره من عدد من علماء الدين.

ما يجهله كثير من الفقهاء، هو أن أشهر العلوم التي تبلورت في العصور الإسلامية هو علم الفلسفة، الذي نشأ على يد أفضل العلماء المسلمين الذين نافسوا الفلسفة اليونانية بآرائهم، ومؤلفاتهم، وأبحاثهم.

ولست الآن بصدد التطرّق إلى ما واجهه بعض الفلاسفة المسلمين من اتهام بالزندقة وتكفير وتنكيل وتعذيب وتقطيع أوصال في تلك المرحلة. لكني، وقبل أن أنهي بحثي أود الحديث عن مرحلة مهمة في التاريخ الإسلامي، وانعكاساتها لاحقاً على الأمة.

كان من أكبر نتاجات ذلك العصر الذي تحدثت عنه، كتاب (تهافت الفلاسفة) للإمام الغزالي، وكان لهذا الكتاب التأثير الكبير والواضح لانحسار التفكير الفلسفي في الفكر الإسلامي، هذا وقد رد عليه ابن رشد بكتاب (تهافت التهافت). ومع كل أسف، فقد استخدمت الفئات والطوائف الفكرية، آنذاك، الأنظمة السياسية لقمع الرأي الآخر، وما زال هذا الأسلوب متبعاً في ثقافتنا الإسلامية إلى هذا اليوم.

تسييس الفكر آنذاك وانتصار التيار المؤيد للإمام الغزالي بقوة السلطة السياسية الحاكمة، أدى إلى سقوط الأمة في مرحلة جمود فكري، نتيجته تفشي الجهل. وكي يزداد الطين بلّة، أغلق باب الاجتهاد، وانتشرت ثقافة النقل، بإعادة إنتاج الماضي والتقيد الحرفي بما جاء به النص الفقهي، وأصبح العلم الشرعي هو المفضل، وقلّت أهمية العلوم الوضعية، فتأخرت الأمة علمياً وتقنياً، وتفشت الطرائق الصوفية، فالتشدد والتطرّف الديني. وهذا كله سهّل محاربتنا بوصفنا مسلمين، وأدى إلى انقسام آخر في الأمة.

ختاماً:

بعد ما طُرح حول تسليط الضوء على مدلولات (الحكمة) في النص القرآني السماوي، وإظهار القواسم المشتركة بينها وبين (محبة الحكمة-الفلسفة) المصنّفة من العلوم الوضعية.

لم يكن المراد من المحاولة إثبات صحة فكرتنا، أو فرض حلول جاهزة على القرّاء والمتابعين، وإنما المراد كان فتح الباب واسعاً أمام التفكّر والتعقّل للاستمرار في رحلة البحث عن سبل الحقيقة، وعدم التوقّف عند قاعدة القوالب الجاهزة.

وأعترف في نهاية هذا البحث، بأني لم أتوصّل إلى الإجابة التي كنت أنشد، وربما لن أصل إليها، لكني راضٍ بالاستمرار في سبيل (الحكمة) وأهلها ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.


[1] – محمد فيضي، موقع موضوع، 15 أيار/ مايو 2017- كما نجد التعريف متفّق عليه في المصادر والمراجع جميعها.

[2] – ربما جاء تعريف الصوفية والصوفيين والمتصوفة، ومفردها (صوفي)، من هذه الكلمة اليونانية، لا سيما أن المنهج الصوفي يقوم عل

هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.

حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.