تقرير – الانتخابات التركية المبكرة…لماذا؟.

مهيار حسن: كاتب ومحلل.

يتحدث هذا التقرير عن الذكاء الذي استخدمه أردوغان وحزبه للسيطرة على مفاصل الدولة التركية؛ كما يبين قدرة أردوغان على فهم المتطلبات التي لا تجعل حزبه يصطدم مع المؤسسات والمجتمع التركي؛ ولا مع المجتمع الدولي؛ ويفترض الكاتب في تحليله أن أردوغان مارس الخديعة مع الطرفين للسيطرة على مفاصل الدولة التركية ولهذا دعا إلى انتخابات مبكرة حتى يكمل سيطرته تماماً على الحكم من خلال محاور:

  • أسئلة استنكارية عن أسباب الانتخابات المبكرة.
  • الذكاء الأردوغاني في اللعب مع الأطراف الأخرى.
  • هل يريد أردوغان أسلمة الدولة التركية حقاً.
  • تركيا في الربيع العربي.
  • العلاقة مع المعارضة السورية.

المدخل

أسئلة استنكارية عن أسباب الانتخابات المبكرة

كان مفاجئا نوعا ما أن يدعو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى انتخابات مبكرة. تأتي المفاجأة من كون أن موعد الانتخابات بعيد نسبيا، ومن كون أن السلطة تحكم وتمسك بكل مفاصل السلطة، ومن كون أن الرئيس التركي أردوغان قد أمسك بمفاصل السلطة والبلاد، فلم هذه الانتخابات إذن؟ وهل من علاقة بينها وبين مشروع أردوغان الطموح بإعادة الخلافة العثمانية وإحياء المشروع العثماني القديم لأنقرة، وهل من صلة ما بين هذا والإخوان المسلمين في العالمين العربي والإسلامي؟

الذكاء الأردوغاني في اللعب مع الأطراف الأخرى

إن تأمل السيرورة التاريخية لكل من رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية، توضح بما لا يترك مجالا للشك النوايا الحقيقية لتيار الإسلام السياسي وعلى رأسه تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، فالزعيم التركي وتياره (العدالة والتنمية) انبثقا أساسا من حزب الفضيلة الإسلامي (وهو فرع من تنظيمات الإخوان المسلمين) الذي كان يرأسه نجم الدين أربكان، إذ كان كل من عبد الله غول ورجب طيب أردوغان مجرد تلميذين نجيبين لأربكان قبل أن يخرجا من عباءته سياسيا دون أن يخرجا من عباءته دينيا، ولكن كيف ذلك؟

بعد الانتكاسات الكبرى التي تلقاها حزب الفضيلة بقيادة أربكان في تسعينيات القرن الماضي على يد العسكر التركي الذي كان يدرك النوايا الإخوانية، أدرك كل من غول وأردوغان أنه يستحيل الانتصار على العسكر وإبعادهم عن السلطة دون امتلاك نفس اللعبة التي يمتلكها العسكر، أي إخفاء الأجندة الحقيقية لهم والتقدم بمظهر الحداثة، وذلك لسببين اثنين، أولهما أن الشارع التركي بعيد كل البعد عن احتضان مشروع إسلامي ظلامي قروسطي، ولأن السلطة تملك مفاتيح المجتمع وتعرف كيف تخيفه من الإسلام السياسي، مضافا لهما سبب ثالث يتمثل بأن الواقع الدولي لا يقبل بالإسلام السياسي، الأمر الذي دفع أردوغان وغل لتشكيل حزب العدالة والتنمية الذي قدّم نفسه باعتباره حزبا ليبراليا ديمقراطيا بخلفية إسلامية، بالتوازي مع العمل على فتح صلات مع الغرب، وخصوصا أميركا، لإقناعهم بأنه يمكن للإسلام السياسي أن يكون بديلا سلطويا أفضل من العسكر وأنه يمكن له أن يخدم الكمبرادور العالمي بشكل أفضل مما يفعل العسكر الذي أصبحت رائحة استبداده مخيفة ومقلقة لحماته وداعميه في الغرب.

هل يريد أردوغان أسلمة الدولة التركية حقاً

وهكذا، عبر دعم غربي وعمل سياسي طموح تمكن أردوغان وغل من الوصول إلى سدة السلطة بعد انتخابات نزيهة، إذ استفاد الحزب من فساد العسكر التركي وتراجع شعبتيه، ومن حاجة المجتمع التركي للتغيير وأيضا من حاجة الاقتصاد للتجدد، وهكذا بدأت مرحلة جديدة، بتنا نقرأ عنها أنذاك، تحت اسم النموذج التركي حينا، والنموذج الإسلامي الديمقراطي حينا أخر، حيث لعبت الأجندة الإعلامية دورا كبيرا في ترويج هذا “المنتج”، لتبدأ تركيا تتقدم في عدة محاور، الولاء للغرب، التقدم في الإقليم، ضرب المعارضة، تحجيم العسكر، إخفاء الأجندة الإسلامية إلى أبعد حد ممكن والظهور بمظهر الحداثة والديمقراطية، وكسب قلوب شرائح الشعب، وهو ما بينته الانتخابات التي جرت في تركيا منذ ذلك الوقت حتى اليوم، حيث فاز الحزب بهذه الانتخابات، محققا نتائج جيدة.

تركيا في الربيع العربي

الربيع العربي كان حدثا مفصليا، إذ وجد رعاة المشروع التركي الإخواني أن الوقت حان لإعلان الأجندة والعمل من جديد، ولهذا كان العمل بين الداخل والخارج، ففي الداخل لابد من إقصاء الخصوم وعلى رأسهم حلفاء الأمس ومنهم فتح الله غولين الذي كان حليفا أساسيا لاردوغان، إذ لولا التحالف بين غولين وحزب العدالة والتنمية لما تمكن أردوغان من الإمساك بالسلطة. ولكن أردوغان الطموح، والحامل لفكرة استعادة الخلافة والإرث العثماني، يدرك قبل غيره أن شركاء الإيديولوجية هم الأكثر خطرا على مشروعه، لأنهم ينافسونه على القاعدة الشعبية الإسلامية، ولهذا كان لا بد من إقصائهم بعد استنفاد المهمة التي استخدموا لأجلها، وهكذا عمل أردوغان على تخيير الإسلاميين الترك بين الانضواء تحت رايته أو الحرب المعلنة، وبعد تمكنه من تنظيف الساحة الإسلامية التركية، انتقل لمواجهة خصومه في الأحزاب الأخرى والقطاعات الاخرى، وعلى رأسهم الجيش الذي تمكن أردوغان من لي ذراعه وتحويله إلى مجرد أداة في خدمة مشروعه السلطوي من جهة والإمبراطوري من جهة.

وبعد استحواذه على الإعلام باتت طريقه ممهدة نحو مواجهة الجميع، وقد جاءت محاولة الانقلاب العسكري ضده لتخدم مشروعه بشكل كبير، إذ تحت ستار مواجهة الانقلابيين عمل على تصفية كل خصومه والتقدم أبعد في إطار الهيمنة على المجتمع، إذ عمد بعدها لاستغلال أمر الانقلاب في الحصول على تفويض دستوري يخوله التحكم بالبلاد كليا، وذلك من خلال دعوته للتصويت على التعديل الدستوري بتغيير شكل النظام، وهو الأمر الذي فاز به أردوغان بمشقة دفعت معارضيه للقول أن هناك تزوير للاستفتاء التركي من قبل حزب العدالة الذي هيمن على كل البلاد.

العلاقة مع المعارضة السورية

بعد هذا الفوز، بات الطريق مفتوحا نحو تحقيق المشروع الأردوغاني، إذ بدأت تظهر بوضوح النوايا العثمانية بشكل واضح وعلني وبشكل عملي، إذ في بداية عام 2011 كان الإعلان يتم على المستوى الإيديولوجي وحاول التقدم بعض الخطوات عمليا من خلال دعم الفصائل الجهادية والإسلاموية في سورية، إلا أن مقتل السفير الأميركي في ليبيا ورفع الغطاء عن الإسلام السياسي إقليميا ودوليا، بعد تمدد داعش وظهور مشكلة اللجوء والهجرة، ما دفع أردوغان إلى الانكفاء منتظرا اللحظة الثانية التي رأينها عمليا في تدخله في عفرين، والتي تعتبر الخطوة الفعلية الأولى في رحلة الألف ميل التركية نحو تحقيق الامبراطورية العثمانية.

بعد أن تمكن أردوغان من السيطرة على عفرين وبعد أن أجبر القوات الكردية على الرحيل عنها، بات في موقع أقوى سياسيا وعسكريا، فهو استعاد المبادرة في سورية وبات ركنا أساسيا من أي اتفاق مع كل من روسيا وإيران ولاحقا ستنضم واشنطن لهم عاجلا آم آجلا، وذلك بعد طول تخبط في المسألة السورية، الأمر الذي أسكت منتدقيه ومعارضيه، خاصة أن الأثمان المدفوعة في عفرين قليلة جدا إذا ما قيست بالمعارك التي يشهدها الإقليم، وإذا ما قيست بالأثمان التي تدفعها طهران في سورية.. هنا بات أردوغان في وضع قوي داخليا وقوي خارجيا، ما يعني أن عليه قطف أثمان ذلك، ولهذا دعا إلى انتخابات مبكرة، فهو يدرك أن المعارضة ضعيفة وغير قادرة على المواجهة، ومؤسسات الدولة والأمن والجيش والشرطة والإعلام… باتت كلها رهينة يديه، فيما تبدو يد الخارج مغلولة تخوفا من ملفي اللاجئين وداعش، وهما الملفين الذين يمسك بهما أردوغان جيدا، ليهدد بهما الغرب الحائر بين الحفاظ على الدكتاتوريات أو دفع أثمان التغيير الصعب: إرهابا ولجوءا وفوضى متنقلة، ويبدو أن الغرب اختار الوقوف في معسكر الثورة المضادة، وهو ما يتيح لأردوغان التقدم أبعد نحو تحقيق حلمه العثماني.

ما سبق يوضح بما لا يدع مجالا للشك، الآليات التي بات أردوغان يعمل من خلالها، ويوضح أكثر من ذلك الآليات التي ينتهجها الإخوان المسلمين للهيمنة والسيطرة، فالهدف الأبعد هو إعادة الخلافة العثمانية إلى اسطنبول التي قد يعيد أردوغان جعلها عاصمة الخلافة العثمانية، فهل يفعل؟.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.