تنوير الصادق النيهوم؛ جدلية الواقع والفكرة

يدخل الكاتب إلى الفكر التنويري للصادق النيهوم من خلال مقدمة تبيِّن الحد الفاصل بين مصطلحي التنوير والإصلاح وحاجة المجتمعات إليها من خلال المحاور الآتية:
  • حاجة مجتمعاتنا إلى التنوير.
  • أسس التنوير عند النيهوم.
  • موضوعات التنوير لدى النيهوم.
  • النيهوم والمرأة والحجاب.
  • النيهوم والتعليم والسياسة.
  • العجز الرؤيوي في بناء التنوير لدى النيهوم.
  • السلطة والمثقف؛ جدلية التنوير.
  • النيهوم والديمقراطية.
المدخل
التنوير (enlightenment) مصطلح يعبر عن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوّق فاعليته بوصفه وسيلة للمعرفة، وهو أحد شروط نقل أيّ مجتمع من التخلف الحضاري إلى التقدم العلمي1.
والتنوير يحمل دلالةً أكثر شمولاً تشير إلى دلالات معرفية وثقافية واجتماعية، وفي اللغةً هو وقت إسفار الصبح.
وحين نقول في الخطاب العربي الحديث ما معنى التنوير فنحن نقصد حركة التوعية والتثقيف والتحديث والتجديد التي مرّ بها العالم العربي خلال القرنين الأخيرين من الزمان متأثراً بعلوم الغرب وثقافته. فالمجتمعات تحتاج إلى التنوير الفكري حين تُصبحُ المعتقدات السائدة تجسيداً للتخلف والجهل والخرافة والوقوف مع الحاكم الظالم المستبد، وهذا يحتاج إلى الشجاعة العلمية في نقد الظواهر الفكرية والسياسية والاجتماعية. على هذه القاعدة يقوم التنوير بنزع غلالة القداسة التي أضفيت على الاجتهادات لا على النص الأصلي، لأن الإنسان يحمل قدراتٍ ذاتيةً وهبها الله له تساعده في الفهم والتحليل والتشريع واكتشاف قيمة النص في حركيته وليس في سكونيته قال تعالى:
(أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)2.
إنّ اتباع منهجٍ علمي يقوم على التجريب الحسي، ولا يقبل بالتعمية ولا بالتعميم غير المستند إلى تحليل الواقع أو الظاهرة يمكن من خلاله تلمس حركة الإصلاح الفكري في العالم العربي وفهمها وفهم طروحات التنوير المختلفة التي انبثقت لتعالج سكونية الفكر التي سيطرت على العقل العربي الإسلامي.
وفق هذه الرؤية النقدية يمكن فهم تنوير الصادق النيهوم الليبي الذي (دُفن في بنغازي ولمع في ميادين أدبية وفكرية مختلفة كالنقد والمقالة والقصة القصيرة والرواية ومقارنة الأديان إلى جانب تجربته الصحافية)3.
(والصادق النيهوم المولود في ليبيا عام 1937 الذي توفي عام 1994 هو كاتب وأديب وفيلسوف ليبي)4 وهو تنويري حقيقي لذا كانت موضوعاته التخلف الاجتماعي وتخلف الفكر الديني السائد في الشارع وليس في الكتب، ويمكن أن نطلق عليه (كاتباً تنويرياً شعبياً)5.
كان (النيهوم ابن مجتمع يقبع في زمن الخرافة، وكان الفقيه شبه الأمي يقود عقل ذلك المجتمع)6.
ولمقاربة تنوير النيهوم ينبغي فهم المرحلة التي عاصرها النيهوم وطبيعتها على الصُعد الفكرية والسياسية والاجتماعية، وهذا يحتاج إلى موضوعيةٍ ودرجةٍ من المنهجية العلمية.
أسس التنوير لدى الصادق النيهوم
يقول الدكتور محمد عابد الجابري: القارئ العربي مثقل بحاضره، مؤطر بتراثه7 وهذا يجعلنا نشير إلى تنوير الصادق النيهوم الذي لا يمكن فهمه باقتطاع أفكاره خارج سياق المرحلة الزمنية التي عاش فيها، فالنيهوم يرى أن (الإسلام هو الموقف الوحيد للإنسان الذي يستطيع أن يرى منه حقيقة اتجاهه منذ أول لحظة. إن القرآن يبدو حقاً نوراً أضاء العقل الإنساني فجأةً وتركه يرى ما لم يكن بوسعه أن يراه)8.
هذه الرؤية تُثبت مرجعية التنوير لدى النيهوم، فهو يستولد التنوير من ضمن البنية الأساسية للفكر الديني الإسلامي، ومن ثم فهو يرى ضرورة انفتاح الاجتهاد الفقهي على تطور الحياة السياسية والاجتماعية بافتراض أن النص القرآني هو نص خالق الكون، وخالق الكون هو من وضع نواميس الحياة وتطورها ومن ثم لا يمكن أن يقبل العقل أن من وضع هذه النواميس يضعها ثابتة في كون خلقه متحركاً متجدداً متغيراً.
كان النيهوم يعدّ الجهل نقيضاً للصحة العقلية وليس نقيضاً للمعرفة، فالجاهل في رأي النيهوم ليس دماغاً أبيض ممسوحاً لا يضمّ في داخله سوى الفراغ بل يفترض أن الجاهل يمتلك دماغاً ممتلئاً حتى حافته بأشكالٍ خاصةٍ من المعارف الخاطئة، ولذلك يكون (الجهل أشد فتكاً من الجنون أو العقل الفارغ)9.
قام التنوير لدى الصادق النيهوم على قاعدة نسف الجهل والخوف لدى الإنسان العربي المسلم المعاصر الذي ما يزال يشارك الحضارات الوثنية إيمانها بالصراع مع الجن والأرواح الغامضة ووسطاء السحرة وأعمال المشعوذين. ولهذا يمكن فهم التنوير لدى النيهوم على أنه تفكيك لبنية الوعي السائد وإعادة إنتاجه بصورة علمية حقيقية، ولهذا يصطدم النيهوم مع (الإسلام السياسي الذي يدعي لنفسه فكرة العودة إلى الأصالة ورفض المعاصرة، متجاهلاً حقائق مادية ملموسة تدلّ على درجة تطور العلم والمعرفة والحياة لدى الآخر). هذه الذهنية تمنع الإسلام السياسي من نقد التراث وهي تهرب من هذا النقد من خلال إلباس هذا التراث حُللاً حداثية لمواجهة تحديات الواقع المعاصر.
إنّ التنوير الذي لا يشكّل بنية شاملة لوعي الحياة والوجود من خلال مفهومات تستند إلى العلم التجريبي هو تنوير غير حقيقي وغير فاعل فالمطلوب من التنوير إعادة (سلطة العقل إلى العقل وحده) وليس سلطة الشيخ على العقل أو سلطة الدكتاتور على العقل. فهل قام تنوير الصادق النيهوم على هذه الأسس التنويرية أم أنه لعب دور النقد للظاهرات الناتجة عن البنى وليس نقد البنى ذاتها.
موضوعات التنوير لدى الصادق النيهوم
تشمل موضوعات التنوير لدى الصادق النيهوم مساحات واسعة من الحقل الاجتماعي والسياسي والفكري ومن ثم فهي تتناول موضوعات متعددة، وقد ركزت دراساته التنويرية على التخلف الاجتماعي وتخلف الفكر الديني السائد في الشارع وليس في الكتب. وناقش تنوير النيهوم مسائل مهمة كموضوع الحجاب لدى المرأة المسلمة وطبيعة المجتمع العربي الذكورية، إضافة إلى نقد الإسلام السياسي والموقف من الديمقراطية.
وقد سلّط النيهوم الضوء على قضايا ذات قيمة كبرى في حياة المجتمع العربي كتشخيصه لطبيعة هذا المجتمع بأنه مجتمع رجالٍ أي مجتمع تقوم رؤاه وممارساته على أساس ثقافة ذكورية لا ثقافة إنسانية يبنيها الرجل والمرأة على السواء.
يقول النيهوم في مقدمة كتابه (فرسان بلا معركة): (مجتمعنا مجتمع الرجال، وذلك لا يعني بالطبع أن جميع مواطنينا من الذكور فقط، بل يعني بتفصيل أكثر أنه إذا أُتيحت لك الفرصة ذات مرةٍ لكي تتعرف على ثقافتنا من الداخل فلا بدّ أن تكتشف فوراً أنها غير محايدة تسودها وجهة نظر الرجل وحده، إنّ الفكر الذي ينظر إلى العالم من وجهة نظر الرجل وحده هو فكر متحيّز وغير قادر على التزام الحياد وفق خاصيته، لكنه يرى الأشياء بعين الرجل ويتجاهل عين المرأة والطفل، ويتجاهل أيضاً أن هذا الخطأ بالذات يجعله يبدو من الخارج بمثابة فكرٍ أعور، إنه مُعد لكي يرى نصف الحقيقة فقط)10.
هذه الرؤية تنتقد بوضوح النظرة الذكورية السائدة في المجتمع العربي المسلم التي تتحكم في مسائل كثيرة في الواقع كمسألة حجاب المرأة المسلمة، فهل الحجاب أساساً كما يقول النيهوم هو ممارسة تقوم على نص قرآني واضح؟.
يرى النيهوم أنّ (مشكلة الحجاب ليس بكونه فكرة يهودية خالصة وإنما في القيمة التي يسعى إليها الفقيه المسلم ومعلمه العبراني من قبله إلى إلباسها للمرأة بوجودها الجسدي والمعنوي، تماماً هذا هو السرُّ الذي يُخفيه الحجاب خلفه فيجعل من المرأة عاراً وجسداً نجساً يجب ستره. على هذا يبدأ مسار تحرير المرأة من فك الرموز والأحجيات التي تحوم حول وجودها لنصل بعد ذاك إلى (المرأة الجديدة) التي يحدثنا عنها المفكر المصري الراحل قاسم أمين)11.
لكنّ الدين يرى أن المعصية ارتكبها آدم. قال تعالى:
(فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)12.
ومع ذلك فإن دعوة المرأة المسلمة إلى تغطية شعرها بوصفها عورة لا يجوز كشفها على الرجال واستبعاد صوت المرأة من قضايا التشريع والفتوى وإقصاؤها عن تولي المناصب الدينية بالذات وترويج أحادية رجالية مريبة من طراز (خاب قوم ولّوا أمرَهم امرأة) هي تقاليد فقهية، ليس لها مصدر قرآني واحد ولا يمكن تفسيرها إلا في ضوء رسائل بولس الذي يقول (لست آذن للمرأة أن تُعلّم ولا تتسلط على الرجل بل تكون في سكوت لأن آدم جُبل أولاً ثمّ حواء، وآدم لم يغو ولكن المرأة أغويت).
لذلك يقول الصادق النيهوم: (حُرمت المرأة المسلمة –شرعاً– من حق المشاركة في مسائل الدين وتمّ إقصاؤها عن ميدان التشريع الذي سخره الفقهاء لخدمة أمراء الإقطاع على غرار ما حدث في الكنسية الكاثوليكية)13. ويرى النيهوم أن النص القرآني:
(وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)14.
هو النص الذي يستند إليه الفقه في اعتماد الحجاب وفرضه على المرأة المسلمة بحجة أن ستر الزينة يحتّم ستر الجسم كله.
أما قوامة الرجال على النساء فهي ليست قوامة مطلقة كما يدعي الفقهاء السلف، بل هي قوامة تقوم على مبدأ قول الله تعالى:
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)15.
وفي رأي النيهوم أن هذه القوامة نسبية وتزول بزوال أسبابها. لذلك فإن اتهام الإسلام بأنه شريعة تضطهد المرأة هو اتهام يقوم على فكرة قائمة على الجهل وسوء النية، فالإسلام لا يضطهد المرأة بل الإقطاع السياسي هو الذي يضطهد الإسلام ويشوه سمعته ويربطه بأنظمة تجعل دستورها الضمان في التشريع والإدارة. (وكل ذلك يرتبط بفلسفة غيبية تقوم على زخرفة الكلام وتقديم المبررات لحاكم غير شرعي لكي يسرق المال ويستعبد الرجال ويسبي ربات الحجال بالحلال بالحلال بالحلال)16.
وتنوير الصادق يصل إلى مسألة التعليم في العالم العربي ويناقش مناهج التعليم التي تقوم أساساً لخدمة سلطة الإقطاع السياسي عبر برمجة عقول الأجيال على موضوعات تمنع التفكير العلمي وتُلزم بالتفسير الذي اشتقه فقهاء دينيون خدمة لذلك الإقطاع (خلال الخمسين عاماً التالية كان نظام التعليم قد أصبح وسيلة شرعية لتسليم ملايين الأطفال العرب في عهدة فقيه جاهل يتولى حشو أدمغتهم بمعلومات موجهة عمداً لشلّ عقل الطفل وتدمير قدراته على التفكير المنطقي)16.
لذلك فإن مشكلة النص الذي يطرحه الفقيه الجاهل تقوم على تقديم ما يعدّه حقائق لا مناص من قبولها مهما بدت خارجة على حدود العقل (من قصص الشياطين والمخلوقات النارية …) والطفل هنا يروّض نفسه على التعايش معها في ظلام فهمها. لقد أُنزل القرآن بياناً للناس وليس ليكون محض كنز كلامي. قال تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)17.
في ظلّ هذه القراءات وإعادة إنتاجها من دون نقدها يبقى الباحث الإسلامي منقسماً على نفسه بين عصرين، فهو من جهة يعيش نمط خطابية فقهية تجعل النص الديني على قوة سحرية كامنة في حروفها قادرة على تغيير سنن الطبيعة التي خلقها الله وجعل فيها سننها.
الباحث الإسلامي يعيش حالياً في عصر العلم التجريبي الذي لا يقدّس المعرفة ولا يعدّ الكتب الروحية مصدراً للعلم ولا يعترف بمبدأ العصمة من الخطأ ولا يعوّل على أقوال رجال الدين بالذات. على هذه الرؤية يبني النيهوم فهمه الحقيقي التنويري للدين، فيرى أن الدين أعظم من حشره في تفسيرات جاهلة قاصرة غير قادرة على رؤية عمق القرآن الكريم الذي هو كلام الله عن الخلق والوجود والحياة.
العجز الرؤيوي في بناء التنوير لدى النيهوم
يمكن فهم التنوير لدى النيهوم على أنه جزء من حركة إصلاح فكري تجري من داخل النسق الديني وليس من خارجه. فالنيهوم هو ابن مجتمع عربي مسلم (ليبيا) عاش في مرحلة كان الخطاب الفكري العربي فيها ما يزال ينوس بين حديه الديني التقليدي والغربي المعاصر، فالباحث الحقيقي هو من يأتي على بحثه من منطلق منهج علمي تجريبي، فهل فعل الصادق النيهوم ذلك؟.
لا أظن أن الخطاب التنويري لدى الصادق النيهوم هو تنويري علمي يعتمد على نقد البنية الأساسية للنص ولا يقوم على منطق المنهج العلمي التجريبي إلا في مناقشة الظاهرات لا مناقشة تكوينها التاريخي بوصفها ضرورة من ضرورات تطور المجتمعات والفكر فالخطاب التنويري للصادق النيهوم أتى من ضمن بنية الخطاب الديني ولم يفارقه، ومن ثم فقدو أراد تصحيح رؤية تاريخية ارتبطت أساساً بمصالح النخب السياسية في عصرها، ولم يقم بجهد نقد تجريبي علمي صارم على فهم الدين الإسلامي أو الأديان التي سبقته ضمن سياقات تطور المجتمعات البشرية وتشكّل وعيها، فالله العظيم خلق الكون مرة واحدة ووضع له نواميسه وقوانينه، والإنسان جزء من خلق الله ويخضع لهذه النواميس الخلقية، ومن ثم لا اجتهاد على خلق الله وإنما إضاءة حقيقية للنص الأول.
لقد وقع النيهوم في مطب التسليم بوجود ظاهرات من دون فهم ناموس تطورها الاجتماعي بعمق، لذلك لم يحز تنوير النيهوم على جذرية المفهوم، بل دار في فلك نقد نتائج التكوينات وليس نقد بنيتها، هو لم يحدّد طبيعة التكوين الاجتماعي والسياسي للدولة العربية بعد الرسول الكريم وتحديداً من المرحلة الأموية، فغياب هذا التحديد يقود إلى غياب فهم تشكّل الفقه الإسلامي وحدود بنائه والجهات السياسية التي عبّر عن مصالحها وهذا في رأيي عجز رؤيوي في بناء تنوير النيهوم الذي رمى الحجارة في بركة الفكر العربي الإسلامي الراكدة منذ قرون، وهذا أمر حسن لكنه غير كافٍ.
لاحظوا الإعجاز في كلام الله جلّ شأنه:
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ 12 ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ 13 ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)18.
هذه الآيات تكشف عملية التحول والتطور التي أودعها الله ناموساً في عملية الخلق. فهل استفاد منها الفقهاء وفهموا آليات التطور من خلالها؟.
السلطة / المثقف جدلية التنوير
لنتفق منذ البدء أن السلطة -أيّ سلطة- تريد من النص أن يؤيد استمرار وجودها بغض النظر عن مسوّغات هذا الوجود وشرعيته، فيأتي المثقف إلى نصه وأمامه خيارات ليست كثيرة، فإما أن يصبح مثقفاً تسويغياً للسلطة فيقوم بقراءة تخدم وجود السلطة وتعمل على تأبيدها وهذا طبعاً منافٍ لصيرورة التطور الاجتماعي والسياسي. وللسيطرة على وعي الناس وتأخير تناحرهم مع سلطة تقف ضد مصالحهم، يلجأ المثقف -وهنا يكون (الفقيه المأجور للسلطة)- إلى بناء خطاب يخدم الإقطاع السياسي، وأقصد خطاباً دينياً يأتي تفسيره لمصلحة الحاكم من خلال اجتزاء الرؤية القرآنية أو تفسيرها بما يخدم هذا الاتجاه. لذلك فإن تحرير العقل المسلم من عوامل عجزه وقصوره واجب ديني وحضاري من خلال تفعيل آليات الاجتهاد والمواكبة، وهذا يقود إلى (رفض فكرة إهمال تجربة التنوير الأوروبي والإعراض عنها بالكلية)19.
هذا التنوير يجب أن يشمل الفقه الإسلامي القائم في الحياة الإسلامية منذ قرون الذي تراجع لمصلحة الحركة الإحيائية التي تركز على الهوية والحاكمية.
النيهوم والديمقراطية
لقد ابتعد النيهوم عن قبول فكرة الديمقراطية في العالم الإسلامي انطلاقاً من أنّ هذه الديمقراطية وما يتصل بها كله تجلٍ خاص لنظام رأسمالي غربي لذلك قال: (الصحافة والدستور والحرية لا مكان لها في المجتمع العربي أو الإسلامي المعاصر)20.
لقد غاب عن ذهن الصادق النيهوم أن الرأسمالية هي نظام اقتصادي اجتماعي سياسي نشأ في أوروبا ولكنه انتقل إلى العالم أجمع بصور تعبّر عن درجة تطور المجتمعات الأخرى، فالثورات البرجوازية التي حدثت في أوروبا عبر قرون جعلتها مركزاً للاقتصاد العالمي بفعل الاستعمار الذي قامت به هذه الدول لمستعمراتها في العالم.
لكن هذا المركز لا يمكن أن يبقى ثابتاً وهذا ما نجده الآن في التجارب الاقتصادية العظمى لدول كالصين والهند والبرازيل واليابان وتركيا وغيرها. فالرأسمالية هي مرحلة تمرّ فيها البشرية بتطور أنماط إنتاجها الاقتصادية لا برغبات قادتها وإرادتهم.
وهذا ما لم يلحظه النيهوم ومن ثم لم يستطع أن يفهم أن الديمقراطية لها أسس وحوامل، فأسسها تتعلق بدرجة التطور الاقتصادي الاجتماعي وهذا يحتاج إلى تطور صناعي وزراعي وتجاري يولد فئات اجتماعية ذات مصلحة بالأمر. الديمقراطية لا تقوم في مجتمعات مغلقة اقتصادياً أو يقوم اقتصادها على الزراعة بأسلوب متخلف أو اقتصاد ريعي.
ولكن المجتمعات العربية بدأت تشهد نهضة اقتصادية واجتماعية لم تتبلور حواملها السياسية الحقيقية بعد وهذا ما يجعل الديمقراطية في العالم العربي مشكلة تنتظر درجات تطور أعلى.

المراجع
1- WordPress.com، مفهوم التنوير بين الفكر الإسلامي والفلسفة الغربية، د. صبري محمد خليل.
2- سورة الزمر، الآية 9.
3- العربي الجديد، محمد الأصفر، 13/8/2014.
4- الصادق النيهوم، ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
5- الصادق النيهوم، التنوير الآخر، منصور بوشناف، أجدابيا نت.
6- منصور بو شناف، المصدر السابق.
7- الجزيرة نت، أحمد جعفر، مدونات، الإسلام السياسي وموسم الهجرة إلى الذات.
8- سوداني زهير عثمان حمد، من سرق الجامع وأين ذهب يوم الجمعة 12/12/2017.
9- المصدر السابق نفسه.
10- فرسان بلا معركة، مقالات للصادق النيهوم، المقدمة.
11- سرّ وراء الحجاب، الصادق النيهوم، الحوار المتمدن، العدد 2467، 16/11/2008.
12- آية رقم 121 سورة طه. القرآن الكريم
13- كتاب إسلام ضد الإسلام، الصادق النيهوم، ص 202/203.
14- سورة النور آية 31.
15- سورة النساء آية 34.
16- كتاب إسلام ضد الإسلام ص 245 / 246 مكرر ثانية.
17- سورة النحل آية 89
18- سورة المؤمنون آيات 12-13-14.
19- الدكتور عامر الحافي، عربي21، التنوير الإسلامي، فاعلية العقل للانعتاق من أثر الجمود 22/5/2014
20- الإسلام في الأسر ص 20 -22.
هذه الدراسة تعبّر عن وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة أن تعبّر عن رأي المرصد.
حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.