تقرير خاص – الاغتيالات في إدلب؛ ماذا بعد؟!.

تقرير ميداني يتحدث عن موجة الاغتيالات الأخيرة التي ضربت إدلب الأسبوع الماضي؛ وأدخلت الرعب إلى قلوب المدنيين قبل القادة الميدانيين؛ والسؤال:

  • من الذي يتخفى خلف هذه الاغتيالات؟.

  • من المستهدف حقيقةً؟.

  • ما السر في عدم تبني أي جهة لهذه العمليات؟.

  • ماذا يُراد من هذه الفوضى الأمنية؟.

المدخل

اجتاحت موجة من الاغتيالات محافظة إدلب اجتياحاً واسعاً خلال الأسابيع القليلة الماضية، وانتشرت في مناطق مختلفة من ريف إدلب، أغلبها بفعل عبوات ناسفة مزروعة في الطرقات العامة والفرعيّة والآليات والدراجات النارية، وإطلاق رصاص من مجهولين، وصلت إلى أكثر من 50 عمليّة، استهدفت مقاتلين سوريين وأجانب وكوادر مدنية عاملة ومدنيين، من دون الوصول إلى أي جهة أو جماعة مسؤولة أو حتى ظهور مُتبنٍّ لتلك العمليات، وسط فوضى أمنية عارمة في المحافظة تفشّت فيها عمليات الخطف والقتل والسلب.

بداية الاغتيالات.. من المُسْتَهدَف؟

عقب إعلان فصيلي (هيئة تحرير الشام) و(جبهة تحرير سوريّا) في 24 نيسان الماضي، تعليق الاقتتال الحاصل بينهما والتّوصل إلى اتفاق يقضي بوقف العمليات العسكرية كليّاً.
بعد شهرين ونصف الشهر من المعارك، أُشعل من جديد فتيل عمليات الاغتيال في أماكن شتى من ريف إدلب، لتسجل أكثر من

29 عملية خلال 48 ساعة، بين اغتيال ومحاولة اغتيال طالت مقاتلين أجانب وسوريين ومدنيين وإعلاميين، 23 عملية منها بإطلاق رصاص و6 من جراء عبوات ناسفة، أدت إلى مقتل 27 شخصاً، وُزِّعت بين 15 عسكرياً و12 مدنيّاً، و12 إصابة بين مدنيين وعسكريين، وفقاً لما وثّقه ناشطون محليون في المحافظة.

بدأ مسلسل الاغتيالات يوم الخميس 26 نيسان، سقط خلاله 17 قتيلاً، وُزِّعوا بين ريف إدلب الجنوبي والغريب والشرقي، وكذلك 4 إصابات، إذ أردت هذه العمليات 4 مقاتلين أجانب ينتمون إلى الحزب الإسلامي التركستاني، 3 منهم على الطريق الواصل بين بلدتي ملّس وأرمناز في ريف إدلب الشمالي الغربي، وواحد في بلدة القنية غرب إدلب برصاص مجهولين.

سبق هذه الحادثة مقتل أحد المقاتلين الأجانب داخل مدينة إدلب، وطالت المحاولات القياديّين (أبا الورد كفر بطيخ) في هيئة تحرير الشام، على أطراف بلدته، و(أبا سليم بنّش) أحد كوادر فصيل جيش الأحرار، قرب مدينة بنّش في ريف إدلب، وكذلك 3 مقاتلين من مدينة الزبداني على الطريق الواصل بين مدينتي معرة مصرين وإدلب.

ولم تستثنِ الاغتيالات المدنيين والكوادر العاملة، إذ أطلقت سيارة مجهولة الرصاص على إعلامي مديرية تربية إدلب (مصطفى حاج علي) قرب بلدة النيرب شرق إدلب، وقُتل الصيدلاني طراد الديري برشقات رصاص مجهولة المصدر تعرّض لها داخل صيدليته في قرية جوباس جنوب مدينة سراقب، إضافة إلى مقتل شاب قرب بلدة زردنا وآخر في مدينة إدلب بنيران مجهولة أيضاً.

من يتخفى خلف هذه العمليات؟

التوقيت الذي ظهرت فيه موجة الاغتيالات، يطرح عدداً من التساؤلات؛ أبرزها عن الجهة المسؤولة عنها، الأمر الذي اعتبره ناشطون فرصة لاستغلال الخلافات بين الفصائل لإعادة تأجيج الصراع الحاصل بينهما، بينما اتجه آخرون إلى أن عمليات الاغتيال مرحلة جديدة لتصفية حسابات بين الفئات المتصارعة في إدلب، وهذا ما أوضحه الناشط الإعلامي (محمد بلعاس)، إذ اعتبر خلال حديثه لـ(مينا) أن عمليات الاغتيال مجملها؛ تقف خلفها استخبارات النظام السوري -بما أنها طالت شخصيات تنتمي إلى جماعات مختلفة ولم تقتصر على فصيل معين، ثم إنّها استهدفت مدنيين وكوادر مدنيّة- فهي المستفيد الأول من هذه الفوضى الأمنية في المناطق المحررة، وذهب (بلعاس) إلى أنّ جزءاً ضئيلاً من الاغتيالات تقف خلفه الفصائل العسكرية بهدف تصفية حسابات أو الإعداد لمرحلة جديدة ربّما يعطّل التحضير لها وجود هذه الشخصيات.

توسع دائرة الاستهداف

لم تتوقف عمليات الاغتيال عند هذا الحدّ، فقد شرعت تتسع الدائرة شيئاً فشيئاً لتضم مزيداً من الفصائل والجماعات، إذ قتل عنصران من فصيل فيلق الشام (أحد فصائل الجيش الحر في ريف إدلب) إثر انفجار عبوة ناسفة ملصقة بسيارة تقلهم في 3 أيار، أسفرت عن إصابة ثالث من المجموعة ذاتها، وذلك في مدينة معرة مصرين شمال إدلب، وفي اليوم ذاته شهدت مدينة الدانا في ريف إدلب الشمالي، انفجار سيارة مفخخة أمام مبنى لإحدى المنظمات الإنسانية أوقع 4 قتلى في صفوف المدنيين وخراباً واسعاً في الممتلكات، وقُتل قيادي في جيش العزة (فصيل عسكري عامل في ريف حماة الشمالي) في مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي ويدعى (خالد معراتي)، وفي 12 أيار الجاري تعرض (عبد الله الضلع) عضو الهيئة السياسية في محافظة إدلب، لعملية اغتيال بعد اختطاف مدة تزيد على الشهر، في حين قتل 12 مدنياً في انفجار سيارة مفخخة أمام مبنى قصر العدل في وسط مدينة إدلب، إذ اتخذته (تحرير الشام) سجناً ومقراً أمنيّاً، وأسفر انفجار عبوة ناسفة في سيارة تتبع لأمنيّة مدينة أريحا عن مقتل 3 من عناصرها.

واستهدفت عبوة ناسفة في 28 نيسان الماضي، المقدم (أحمد الجرو) زرعها مجهولون في سيارته، أدت إلى مقتله في مدينة الدانا في ريف إدلب، وهو قائد لإحدى القطاعات التابعة لشرطة إدلب الحرة، وفي 4 أيار الجاري أردت عبوة ناسفة مزروعة في دراجة نارية العنصرين (عبد المنعم عواد زكريا) و(محمد عمر عليوي) في مدخل مدينة سراقب، وهما من مرتبات شرطة إدلب الحرة.

شبح الاغتيالات يلاحق الأهالي ويشل الحركة الحيوية

شكّلت عمليات الاغتيال مخاوف لدى الأهالي، وباتت هاجساً يؤرق عيشهم، إذ ساهمت في ضربها لمناطق حيوية وسكانية في شل الحركة الاقتصادية والمعيشية وشهدت الأسواق والحركة التجارية تراجعاً ملحوظاً مع بدء الموجة الأخيرة.

وتأثرت المؤسسات المدنية في المحافظة بفعل العمليات وعلّقت عملها حذراً من استهدافات جديدة، إذ علقت جامعتا إدلب وحلب الحرة دوامهما الرسمي مدة 3 أيام، وكذلك منظمة (جول) العالمية العاملة في ريف إدلب.

(أحمد حمادة) طالب جامعي من ريف إدلب، يتردد كل يوم صباحاً على مركز المدينة بغرض الدوام الجامعي، وجد بأن تنقله من الريف إلى المدينة صار خطراً ومخيفاً، الأمر الذي دعاه إلى التوقف عن الدوام الجامعي إلا للضرورة، مفترضاً -لـ(مينا)- أن حياته مهددة يومياً في ظل الهجمات المتكررة التي تتعرض لها الأماكن العامة من إطلاق رصاص وانفجار عبوات ناسفة.

استطلاع شعبي حول الاغتيالات

في استطلاع رأي خاص بـ(مينا) لأكثر من 100 مدني من سكان محافظة إدلب، حول الجهة المسؤولة عن عمليات الاغتيال، أشارت نسبة أكثر من 50 في المئة من المُستَطلَعين إلى وقوف خلايا تتبع لاستخبارات النظام السوري خلف هذه العمليات، وتقاسمت النسبةَ المتبقية هيئة تحرير الشام -لأنها تتمتع بجهاز أمني كبير، وقد عملت سابقاً على محاربة الفصائل بهدف التفرد بالسيطرة على المناطق المحررة شمال سوريا- مع تنظيم (حراس الدين) المنشق عن تحرير الشام مؤخراً مبقياً على بيعته لتنظيم القاعدة، وهذا ما أكدته مسبقاً مصادر خاصة لـ(مينا) عن تورط التنظيم في عمليات اغتيال عدّة شهدتها المنطقة.

وتعليقاً على ضلوع التنظيمات الإسلامية وفي مقدمتها (تحرير الشام وحراس الدين)، قال (عاصم زيدان) مدير فريق توثيق انتهاكات جبهة النصرة (وهو فريق يضم مجموعة من الناشطين الإعلاميين يوثق انتهاكات جبهة النصرة في إدلب) في حديثه لـ(مينا):

(إنّ جبهة النصرة أو ما يسمى بهيئة تحرير الشام هي من يسيطر على مدينة إدلب وريفها أمنياً بصورة كاملة، وتسيطر على جزء من المنطقة نفسها عسكرياً، وقد سمحت لفلول جند الأقصى بالبقاء في المنطقة وسهّلت لفلول داعش الوصول إليها أيضاً، ضمن معلومات مؤكدة من فريق التوثيق، بحيث أصبحت هذه المنطقة ساحة لتصفية الحسابات المحلية وحتى الدولية في ظل عدم وجود قضاء ومحاكم تضبط المجرمين، وبهذا تكون جبهة النصرة ومتزعمها الجولاني هم من يقف خلف عمليات الاغتيال كلها والتفجيرات التي حصلت في المنطقة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وأضاف: (لو قارننا بين المناطق التي تسيطر عليها جبهة النصرة (تحرير الشام حالياً) والمناطق التي تسيطر عليها حركة نور الدين الزنكي (الفصيل الوحيد المستقل بسيطرته على جزء كبير من ريف حلب الغربي) نجد أن منطقة الأخير لم تشهد أي عمليات اغتيال)، وختم حديثه قائلاً: (كذلك الأمر في ظهور تشكيل جديد يسمى (حراس الدين) وهم قادة ومجموعات منشقة عن جبهة النصرة، ثم إن وجود بقايا تنظيمي جند الأقصى وداعش زاد من وطأة الأمر، إذ إن وجود هذا التشكيل يهدد الجولاني وعصابته، ويزيد الشرخ في صفوفه ويفتح حرب اغتيالات في المنطقة، لتصفية حسابات بينهما).

تحرير الشام تقبض على (خلية نسائية)

في 10 أيار، أعلن الجهاز الأمني التابع لـ (تحرير الشام) تمكنه القبض على خلية نسائية تعمل لمصلحة القوات الروسية في قاعدة حميميم وفرع الأمن السياسي في مدينة اللاذقيّة، وفقاً لما أعلنته وكالة إباء المقربة من تحرير الشام، من دون أن تدلي بأي تفاصيل أخرى حول تورطهم في عمليات الاغتيال المذكورة أعلاه، وسبق أن أعلنت مطلع الشهر الجاري إلقاء القبض على خلية أمنية تتعامل مع قوات النظام أُثبت تورطها بعمليات اغتيال، إلّا أن وتيرة الاغتيالات ما زالت مستمرة مسجلة مزيداً من المحاولات ما يؤكد وجود جهات عدّة تقف خلف عمليات الاغتيال.

أفادت مصادر مطلعة أن الخلية النسائية المقبوض عليها، تبين تعاونها مع عدد من قياديي (تحرير الشام) وأمرائها؛ ما يثبت فرضية التصفية الداخلية المتبعة من الفصيل، في حين لم يتمكن فريق (مينا) التأكد من صحة المعلومات، إلا أن حسابات ومعرّفات على شبكات التواصل الاجتماعي تناقلت الخبر من دون صدور أي نفي من الفصيل.

مبادرات مدنية لمواجهة الاغتيالات

أطلق ناشطون محليون وفعاليات مدنية، في إثر عمليات الاغتيال المتكررة حملة لمنع ارتداء اللثام في المناطق العامة في ريف إدلب، تضمّنت رسوماً تعبيرية على جدران المدن تحثّ على خلع اللثام وتطالب الشباب بالابتعاد عن هذه الظاهرة، وكذلك بيانات من المجالس المحلية ومجالس الشورى في القرى والبلدات تمنع تجول مقاتلين ملثّمين في الشوارع والساحات، وقد لاقت الحملة استحساناً كبيراً وتفاعلاً من الأهالي في الوقت الذي تمر فيه المنطقة بمرحلة أمنية حساسة، وقال (أسعد الأسعد) ناشط ومصور إعلامي من مدينة بنش في ريف إدلب، ومشارك في الحملة لـ(مينا): (إن ظاهرة اللثام باتت رائجة في المناطق المحررة، ومنتشرة كثيراً وبخاصة لدى مقاتلي الفصائل العسكرية، وغالباً ما تلحظ هذه الظاهرة على الحواجز التابعة لها، وهذا خطأ كبير ساعد في انتشار الملثمين لأي سبب، لافتاً إلى أن من يقاتل من أجل قضية أو يدافع عنها لا يحتاج إلى الثام)، وأضاف: (كانت هذه الظاهرة سبباً في انتشار الاغتيالات والتفجيرات لأنّ أغلبها بفعل مجهول، وربما يكون الملثّم متورطاً في التفجيرات، وهنا لا يمكن التمييز بين المجرم والمقاتل من الفصائل العسكرية، مؤكداً وجوب منع هذه الظاهرة علّها تضبط من عمليات الاغتيال وتحد منها).

أما الشرطة الحرة (وهي شرطة مدنية مجتمعية غير مسلحة) فقد حاولت الحدّ من عمليات الاغتيالات وزرع العبوات الناسفة عبر مراكزها البالغ عددها 28 مركزاً في ريف إدلب، وعملت على تكثيف دورياتها الليلية والنهارية مع بدء موجة الاغتيالات وحالة الفلتان الأمني، وفقاً لما يحدثنا (عبد الرحمن البيوش) معاون رئيس فرع الإعلام في شرطة إدلب، والشرطة أشركت في بعض البلدات عناصر من الأهالي في دوريات ليلية، وأضاف خلال حديثه لـ(مينا) أن مراكز الشرطة عممت أرقاماً لتلقي الشكاوى من المواطنين بهدف تسهيل الإبلاغ عن أي عملية مشبوهة، وأطلقت حملة توعية حملت اسم (عبوات الموت) في إشارة إلى العبوات الناسفة التي حصدت أرواح عشرات المدنيين، بتوزيع بروشورات تحمل عدداً من النصائح والعبارات التوعوية تحث الأهالي على تفقد الآليات قبل ركوبها وتحذرهم من الأجسام الغريبة ومخلفات الحروب وكذلك العبوات الناسفة، ولفت (البيوش) إلى أن شرطة إدلب الحرة تعمل ضمن إمكانات محدودة، في ظل فوضى أمنية كبيرة وغياب توحد العمل الأمني في المحافظة.

وما يزال السؤال مطروحاً: اغتيالات إدلب؛ تبعث برسائلها إلى من؟ وماذا بعد ينتظر إدلب؟.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الإعلامي©.