سرقة الآثار؛ سرقة التاريخ السوري

تقرير من إعداد وحدة الاستطلاع في مركز مينا الإعلامي.

إن قلنا إنّ تاريخ حضارات قديمة على المحك، فنحن لا نبالغ، إذ إن نقل ما تركته حضاراتنا من أثر يدل على أنها كانت هنا يوماً لا يعني أقل من ذلك، ولا يعني أقل من تزوير فاضح للتاريخ.

تلك الجريمة المنسية والمسكوت عنها إعلامياً على الرغم من أنها تمثل اعتداء صارخاً على إرث سوريا أم الحضارات؛ آثار سوريا.. من نهب النظام لها قبل الثورة إلى نهب من ادعوا الثورية ومحاربة الفساد.

 التقرير الموجود أمامكم يسلط الضوء على زاوية ضيقة من هذه الجريمة المسكوت عنها من خلال:

  • أهمية الآثار السورية ضمن قوائم اليونسكو للتراث العالمي.
  • سرقة الآثار جريمة تاريخية وأخلاقية ووطنية.
  • آثار محافظة إدلب من ضحايا الجريمة المنسية.
  • شهادات لشهود على سرقة الآثار.
  • شهادات من مسؤولين عن قطاع الآثار.
  • النظام يشارك في الجريمة من خلال القصف بالبراميل.

المقدمة

يعيش الشعب السوري سنوات ضياع بحثاً عن نيل حريته وكرامته؛ خلفت تلك السنوات أزمات عدة في المجالات المختلفة، ولم تقتصر على حاضره ومستقبله فقط بل وصلت إلى إرثه الحضاري والتاريخي.

في سوريا مواقع أثرية لحضارات متعاقبة امتدت أكثر من /5000/ سنة ومدن كاملة مصنفة ضمن قوائم اليونسكو للتراث العالمي؛ تعرضت للقصف وتفرقت محتوياتها بين الهدم والدمار والأسواق العالمية السوداء للآثار.

لم تدخل المواقع الأثرية ضمن حسابات الأطراف المتصارعة على الأرض السورية ومع غياب سلطة القانون والوعي بأهمية الآثار لأنها ذاكرة الحضارة السورية؛ نشط لصوص الآثار وضعاف الأـنفس الذين استهدفوا المتاحف والمواقع الأثرية نهباً وتنقيباً غير مدركين أنهم يبيعون إرثاً حضارياً لشعب عظيم مقابل أرباح مادية ضئيلة.

آثار مدينة إدلب في الشمال السوري

تعد مدينة البارة في ريف إدلب الموقع الأثري الأقرب إلى مدينة (كفر نبل)، وقد أصبحت مشاعاً لتجار التاريخ الباحثين عن الثراء السريع، هذا ما أوضحه لنا أحمد ابن مدينة كفر نبل في حديثه معنا؛ قال: (نشطت في المرحلة الماضية عمليات التنقيب والبحث عن الآثار، ولم تعد عمليات البيع مخفية كالسابق بل أصبحت تجري علناً من دون خوف أو تردد مع غياب أي رقيب أو حسيب).

ويروي لنا أحمد ما جرى منذ مدّة ليست بعيدة مشكلة بينه وبين أحد أقربائه؛ إذ إن الثاني كان في طريقه إلى إتمام صفقة لبيع مجموعة من القطع الأثرية النادرة لتجار في البلدان المجاورة إلا أن أحمد منعه من ذلك، وحاول إقناعه بأهمية هذه الآثار والقيمة الحقيقية التي تمثلها قائلاً له: إنها تعادل شرفك وأخلاقك؛ فكيف تقبل ببيعها لغرباء من بلدان أخرى.

لكن قريبه رفض أن يتراجع عن إتمام الصفقة ومع إصرار أحمد على موقفه تطور الأمر بينهما حتى وصل إلى إطلاق الرصاص على أحمد، تبع ذلك سلسلة تهديدات أُرسلت إلى عائلته وانتهت بأنه خُطِف، الأمر الذي أجبره على تغيير موقفه والابتعاد عن الأمر بعد إحساسه بالعجز عن مجابهة تيار الفاسدين في المدينة بحسب قوله.

 أما (حسن) شاب من قلعة المضيق روى لنا في حديثه معنا معلومات عن الصفقات التي أتمها تجار السلاح ومدعي الثورة (تجار الأزمات) في منطقته، إذ باعوا مجموعات كبيرة ومهمة جداً من القطع الأثرية التي كانت داخل القلعة الشهيرة، وذلك بالتنسيق والتعاون مع عناصر النظام الموجودين في المنطقة، وعملوا على إيصالها إلى المشترين في الدول المجاورة.

وعند سؤاله قال حسن: لا أحد يستطيع أن يقف في وجه من يملك السلاح والمال على الرغم من علم أهالي المدينة جميعهم بأن ما يباع هو إرثهم وتاريخهم.

إن محافظة إدلب تحتوي على أكثر من 760 موقعاً أثرياً لحقب زمنية مختلفة بدءاً من الشرق القديم مروراً بالعصور الكلاسيكية وصولاً إلى المرحلة الإسلامية والمرحلة الإسلامية المتأخرة.

شهادات من مسؤولين عن قطاع الآثار

 السيد (أيمن النابو) مدير مركز آثار إدلب في حديثنا معه حول تلك الجريمة قال:

تمتلك إدلب أربعين قرية أثرية تشكل بمجموعها 5 (باركات) مسجلة في قائمة التراث العالمي والباركات تعني (المدن المنسية أو المدن الميتة).

مدينة (إيبلا) التي تعود إلى حقبة الشرق القديم أي 3000 سنة قبل الميلاد، وفيها عُثِر على ما يعرف بالأرشيف الملكي الذي ضم أكثر من 15000 رُقم مسماري، وهذه الرُقم التاريخية جرى تأريخ المنطقة فيها حتى سنة 5000 ما قبل الميلاد وقد حُفظت هذه الرقم في متحف إدلب.

أما متحف معرة النعمان الذي يعدّ ثاني أكبر متحف للفسيفساء في الشرق الأوسط وهو قائم ضمن خان أثري قديم مبني على الطراز الإسلامي ويعرف باسم (خان مراد باشا)، وتمتلك محافظة إدلب عدداً من القلاع الأثرية أهمها (قلعة حارم وقلعة الشغر وقلعة معرة النعمان).

وفي سؤالنا عن الأضرار التي تعرضت لها المواقع الأثرية في المحافظة منذ انطلاق الثورة السورية قال: يمكن تصنيف هذه الأضرار في أقسام عدّة، أولها مواقع أثرية تعرضت لقصف من الطيران الحربي والبراميل المتفجرة مثل متحف إدلب ومتحف معره النعمان سابقاً ومدينة إيبلا مؤخراً، وثانيها مواقع أثرية تعرضت للنهب والسلب وأيضاً عمليات التنقيب العشوائي المستمرة ليجري لاحقاً بيعها وتهريبها خارج البلاد، وهناك أيضاً مواقع تعرضت للهدم والتكسير، إذ جرى استخدام حجارتها في الأبنية الحديثة ومنها بعض المدن المنسية، وكذلك تتجلى حالياً ظاهرة زحف الأبنية المدنية الحديثة باتجاه مواقع هذه المدن المنسية.

وللحد من هذه الأضرار قال السيد أيمن: نحن في مركز آثار إدلب بوصفنا فنيين مختصين بترميم الآثار معنيون بموضوع حماية هذه الآثار وترميمها وقمنا بحماية أكثر من 1700 قطعة أثرية وقمنا بمشروعات ترميم في كل من مدينة إيبلا ومتحف معرة النعمان وبعض مواقع المدن المنسية؛ وقمنا بإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية ثابتة لإجراء عمليات التوثيق دورياً ضمن هذه المواقع. ولكن نحن لا نمثل جهة رسمية في المحافظة وإنما نعمل بوصفنا منظمة مجتمع مدني، إذ نجري تدخلات إسعافيه في المواقع المتضررة ونسعى لإشراك المجتمع المحلي في حماية هذه الآثار؛ إذ نطلق حملات توعية وننشئ ورشات عمل مستمرة بالتعاون مع مختلف منظمات المجتمع المدني والمجالس المحلية والشرطة المجتمعية في المحافظة وطلاب المدارس وغيرهم للتنبيه إلى أهمية هذه الآثار ونشر الوعي بضرورة حمايتها وحفظها، ونرجو في المدّة المقبلة أن يجري تشغيل مديرية آثار إدلب الرسمية بالتعاون مع الجهات التنفيذية في المحافظة للعمل من أجل إطلاق برامج تعنى بالمواقع الأثرية وحمايتها؛ ومن ثم إظهار الوجه التاريخي والحقيقي لمحافظة إدلب.

تمر الأيام والسنوات من دون توقف وحتماً سينتهي مسلسل الدمار والقتل الذي يتعرض له السوريون ولكن هل ستنتهي معه معاناتهم وخساراتهم؟ الشعب الذي قدم مئات آلاف الشهداء وما زال من أجل المستقبل، هل سيصحو يوماً ما ليجد تاريخه قد فُقد؟.

إن إنقاذ الإرث الحضاري في سوريا مسؤولية عالمية لأنه لا يخص سوريا فحسب أو شعباً بعينه، وإنما يعد إنقاذاً للإرث الإنساني والحضاري للبشرية جمعاء.


حقوق النشر والطبع ورقياً والكترونياً محفوظة لصالح مرصد الشرق الأوسط وشمال افريقيا الإعلامي.