
عندما زار رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الولايات المتحدة بعد مدة قصيرة من انتخاب الرئيس دونالد ترامب، كانت المناقشات ودية، ودار حديث عن صفقات تجارية كثيرة، إلا أن المشهد تغير تماما بعد ستة أشهر، وفي 27 أغسطس 2025، فرضت إدارة ترامب رسوم جمركية بنسبة 50% على معظم السلع المُصدَّرة من الهند إلى الولايات المتحدة. ويُعدّ هذا المعدل من بين أعلى المعدلات في العالم. ولم تُثمر المحادثات التجارية مع الهند. وتفاقم الوضع أكثر عندما أعلن ترامب فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 25% على مشتريات الهند من النفط الروسي، لم يتأخر الرد الهندي كثيرا، حيث علّقت نيودلهي محادثاتها بشأن عدة صفقات أسلحة استراتيجية مع الولايات المتحدة.
تشمل هذه الصفقة شراء مركبات سترايكر القتالية، وصواريخ جافلين المضادة للدبابات، وست طائرات استطلاع من طراز P-8I. وكانت صفقة P-8I وحدها ستبلغ قيمتها 3.6 مليار دولار. ويبدو أيضا أن شراء طائرات F-35 بمليارات الدولارات أمر غير وارد.
ونتيجة لما حصل باتت الهند تسعى بشكل متزايد إلى التقرب من روسيا والصين، وكثفت تعاونها العسكري مع موسكو. ووفقاً لصحيفة “فيرست بوست” الهندية، سافر مستشار الأمن القومي أجيت دوفال إلى موسكو فور فرض العقوبات الأمريكية للتفاوض على توسيع أنظمة الدفاع الجوي “إس-400” واحتمال إجراء محادثات بشأن طائرات “سو-57” المقاتلة.
تدهور سريع للعلاقات وتقارب مع روسيا والصين
أعلن رئيس الوزراء مودي في خطابٍ له أن الهند “لن تتنازل أبدا عن مصالح مزارعيها ورعاتها وصياديها”. وقد حظيت هذه الكلمات، التي كانت موجهةً بوضوح ضد دعوات ترامب لتحرير السوق الزراعية، بدعم غير مسبوق من المعارضة: فقد وصف راهول غاندي، الرسوم الجمركية الأمريكية بأنها “ابتزاز اقتصادي” و”محاولة للضغط على الهند لإبرام صفقة تجارية غير عادلة”.
بعد أيام قليلة من إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية، أبدى مودي مرونة الهند بمكالمة هاتفية مع الرئيس بوتين. وكتب على موقع X أن المحادثة كانت “جيدة جدًا ومفصلة”، وأعلن أنه سيستقبل بوتين في الهند لاحقا هذا العام. وفي الوقت نفسه، تم إلغاء زيارة مقررة لوزير الدفاع الأمريكي.
وفي الوقت نفسه، يسعى مودي لإنهاء ست سنوات من الجمود بين دولته والصين. ويرى المراقبون أن توقيت هذه الخطوة، في خضم أخطر أزمة في العلاقات الأميركية الهندية منذ عقود، يمثل استجابة مباشرة لمحاولات واشنطن دفع الهند إلى دور تابع.
في هذه الأثناء نشرت صحيفة جلوبال تايمز، الناطقة باللغة الإنجليزية باسم الحزب الشيوعي الصيني، مقالاً مفصلاً عن إحياء التعاون الثلاثي بين روسيا والهند والصين، ويمثل هذا التنسيق منصةً لمناقشة القضايا العالمية والإقليمية. وقد أكد خبراء صينيون، بمن فيهم شيه تشاو من جامعة فودان، على “الأهمية الخاصة” لبداية جديدة، في ظل تعرض الدول الثلاث “لضغوط أحادية الجانب من الولايات المتحدة”.
وتبلغ القوة الاقتصادية المشتركة لروسيا والهند والصين نحو 25 تريليون دولار أميركي ــ وهو ما يكاد يعادل القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، وربما أكثر من ذلك عند تعادل القدرة الشرائية. وهم يسيطرون معا على أكبر مساحة من الأرض، وموارد طبيعية وبشرية وترسانات نووية هائلة. وظهرت عدة مؤشرات على انفراج في العلاقات الصينية الهندية، مثل الزيارات الوزارية، واستئناف التأشيرات السياحية، والرحلات الجوية المباشرة المخطط لها.
وبالتوازي مع تعزيز التحالفات الشرقية، يتعرض التحالف الرباعي ذي التوجه الغربي (الولايات المتحدة، الهند، اليابان، أستراليا) لضغوط. ووفقًا لصحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست، فإن زيارة ترامب المُخطط لها في الخريف، لحضور قمة الرباعية في الهند غير مؤكدة، إذ إن عدم تحقيق تقدم في محادثات التجارة يعني عدم تحقيق “النتائج الجوهرية” المطلوبة. وتحدثت صحف غربية عن خطر “تفكك الرباعية”، إذ سيتعين على أستراليا واليابان الاختيار بين الولاء للولايات المتحدة والحفاظ على تماسك التحالف.
أمام هذه التحديات، حذّر مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جون بولتون من أن سياسة ترامب في فرض الرسوم الجمركية على الهند ستؤدي إلى “أسوأ نتيجة ممكنة” للولايات المتحدة، إذ ستُقرّب نيودلهي من موسكو وبكين. ووفقًا لصحيفة “إنديان إكسبريس”، فإن “تساهل ترامب مع الصين وفرضه رسوما جمركية قاسية على الهند” يُهدد الجهود الأمريكية المستمرة منذ عقود لإبعاد الهند عن روسيا والصين.
من جانبها تجد الهند أن الولايات المتحدة تبالغ في إظهار تأثير الرسوم الجمركية الهندية التي كانت مفروضة سابقا على المنتجات الأمريكية بشكل سلبي على الاقتصاد الأمريكي، وتبالغ أيضا في تضخيمها لأهمية استمرار الهند في شراء النفط الروسي، صحيح أن الهند زادت وارداتها النفطية من روسيا خلال العامين الماضيين.، لكن ما تتجاهله الولايات المتحدة بحسب وجهة النظر الهندية، هو واردات الصين الأكبر بكثير من النفط والغاز الروسيين، وأن الاتحاد الأوروبي ما زال يعتمد على مصادر الطاقة الروسية.
ولكن هذا ليس كل شيء. فحتى الولايات المتحدة تواصل التعامل التجاري مع روسيا للحصول على بعض موادها النووية الأساسية، من بين منتجات أخرى. ومع ذلك، يعتقد كل من الرئيس ترامب أن أرباح المشتريات الهندية وحدها هي التي تدعم هجوم روسيا في أوكرانيا.
وتنظر الهند بالعموم إلى تصريحات الرئيس الأمريكي بأن الهند قد تحصل بسهولة على خصم 25% غدا إذا توقفت عن شراء النفط الروسي ينم عن غطرسة وعقدة تفوق في غير محلها. ولذلك تريد دلهي إرسال رسالة واضحة بأن اقتصاد الهند لا يعتمد على الولايات المتحدة، وأن سيادتها غير قابلة للتفاوض.
ورغم عدم إعلان ذلك علنا، فمن المعروف أيضا أن ترامب غير راض عن الحكومة الهندية لعدم إعلانها توسطه في وقف إطلاق النار بين الهند وباكستان، ولعدم ترشيحه لجائزة نوبل للسلام. وقد رشحته دولٌ أخرى، منها إسرائيل لعلمها بأهمية ذلك له شخصيا.
كان قرار الرئيس دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة، يهدف إلى الضغط على دلهي للتوافق مع المصالح الأمريكية، وخاصة تجاه أوكرانيا. إلا أن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية. فلم تكتفِ الهند برفض وقف واردات النفط الروسي، بل أكدت مجدداً على استقلاليتها الاستراتيجية. حتى أن وزيرة المالية نيرمالا سيثاراما صرحت بأن الهند ستواصل شراء النفط الروسي.
الخسائر الاقتصادية للجانبين
بلغت قيمة السلع الأمريكية المُصدّرة إلى الهند 42 مليار دولار أمريكي في عام 2024، أي أقل من نصف الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة. وبالنظر إلى الميزانية العمومية، تُحمّل الهند الخسائر بشكل رئيسي، ستعاني الهند بالتأكيد أكثر، لكن يؤكد الخبراء أن الولايات المتحدة ستدفع ثمنا باهظا أيضا. ومن المتوقع، على وجه الخصوص، انخفاض كبير في عدد الطلاب الهنود في الجامعات الأمريكية. ومن العوامل الاقتصادية الأخرى التي يجب مراعاتها، تأتي الخطط الأمريكية السابقة لنقل بعض الصناعات التحويلية من الصين إلى الهند. إلا أن هذه الخطط معرضة للخطر الآن.
خسارة الهند لا تصب في صالح الولايات المتحدة بجميع الحسابات، ففي حديث إلى وسائل الإعلام يوم 6 سبتمبر، أكد الرئيس ترامب على “علاقة خاصة جدًا” مع الهند، ووصف رئيس الوزراء ناريندرا مودي بأنه “رئيس وزراء عظيم” سيظل “صديقه دائمًا”. كما زعم أنه لا يوجد توتر جدي بين الهند والولايات المتحدة. ومع ذلك، أضاف أنه لا يزال غير راضٍ عن قرارات حكومة مودي، قائلاً: “سأظل صديقًا دائما، لكنني ببساطة لا أحب ما يفعله في هذه اللحظة تحديدًا”.
في حين أن تأكيده مجددًا على “علاقة خاصة” مع الهند وصداقته مع مودي يشير إلى رغبة في استقرار العلاقات، إلا أنه لا يمحو التوترات الكامنة بين الهند والولايات المتحدة بشأن التجارة والنفط الروسي واختلاف الأولويات الجيوسياسية. لا تزال الرسوم الجمركية البالغة 50% على صادرات الهند إلى الولايات المتحدة قائمة، ولم يتم سحب التهديدات بفرض المزيد من الرسوم الجمركية إذا لم تتوقف الهند عن الشراء من روسيا. ولا تزال اتفاقية التجارة الثنائية متعثرة.
وتشير نظرة مُعمّقة إلى الوضع الحالي في الولايات المتحدة إلى أن تغيير ترامب يعود إلى تزايد الضغوط الداخلية، وليس إلى إدراكه المفاجئ أن الهند صديقةٌ لأمريكا. وربما كانت علامات التباطؤ الاقتصادي، وسوق العمل الكئيب، وردة الفعل الإعلامية السلبية، وتراجع شعبية ترامب، هي السبب وراء سعيه لإصلاح العلاقات مع مودي.
وقد أدت التعريفات الجمركية التي فرضها، والتي كان من المفترض أن تعزز الوظائف الأمريكية من خلال زيادة أنشطة التصنيع في البلاد، إلى إرهاق الصناعات المعتمدة على سلاسل التوريد العالمية. في الأسابيع الأولى، لم ينعكس تأثير التعريفات الجمركية بشكل كبير على أسعار التجزئة، حيث كان المستوردون قد خزنوا بالفعل قبل سريان التعريفات الجديدة. كما تحمل بعض المستوردين رسوم الاستيراد المرتفعة بعد ذلك لبعض الوقت. لكن هذا ليس حلاً مستداما، ومن المتوقع أن ترتفع أسعار التجزئة في المتاجر الأمريكية.
كما أثّرت الرسوم الجمركية سلبا على ديناميكيات التجارة العالمية. وتبحث الدول عن إقامة تحالفات تجارية جديدة. ونتيجةً لذلك، يفقد الدولار الأمريكي أهميته في الاقتصاد العالمي. وتعتمد دول البريكس، على وجه الخصوص، بشكل أكبر على عملاتها المحلية بدلاً من الدولار مثل اليوان والروبل والروبية وغيرها في التعاملات التجارية فيما بينهم.
في المقابل، لا يزال ناريندرا مودي أحد أكثر القادة شعبية في العالم، حيث تتجاوز نسب التأييد 75%، وفقًا لشركة “مورنينج كونسلت”. وبحسب خبراء فإن عداء ترامب للهند لن يؤدي فقط إلى تنفير حليف رئيسي للولايات المتحدة، بل أيضا الجالية الهندية الأمريكية، وهي شريحة سكانية متنامية في السياسة الأمريكية. في حين أن موقفه من المهاجرين غير الشرعيين كان مدعوما من الهند، إلا أنه بدأ هو ومساعدوه الآن بمعارضة منح التأشيرات للهنود، مما زاد من تآكل دعمه بين الأمريكيين الهنود وغيرهم من المهاجرين بطريقة شرعية.
الهدف الأمريكي غير المعلن
الاستياء الأمريكي من شراء الغاز الروسي هو العنوان العريض للإجراءات الأمريكية الأخيرة، لكن البعض يرى أن الأمر هو أن الولايات المتحدة تريد إرسال رسالة قوية ضد العالم متعدد الأقطاب، فهي عازمة ليس فقط على الدفاع عن هيمنتها العالمية، بل وتوسيعها أيضا. ويمكن تفسير هذا الرأي في أن الهند كقوة اقتصادية وعسكرية صاعدة وأكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، تُشكل تهديدا متزايدا للهيمنة الشاملة التي تسعى لها الولايات المتحدة. لذا، قد تكون سياسة ترامب الجمركية العدوانية محاولة للسيطرة على الهند الآن، قبل أن تُصبح قوة عظمى، كما حدث مع الصين، حيث بات من الصعب على الولايات المتحدة الحد من قوتها أو نموها الاقتصادي بالشكل الذي كان ممكنا في السابق.
اليوم، تُكافح الولايات المتحدة الأمريكية للحفاظ على مكانتها الرائدة في النظام العالمي المُتغير. شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” هو نتيجة لهذا الواقع. فهي تنظر إلى صعود الصين والهند ودول البريكس كتهديد للهيمنة التقليدية التي تمتعت بها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. داخليا، تُصارع البلاد العديد من القضايا الخطيرة التي تُسهم في هذا الوضع المتدهور.
ومن العوامل الداخلية الأخرى التي قد تثير قلق السياسيين في الولايات المتحدة مسألة التفاوت في الدخل بين المهاجرين من أصل آسيوي والمواطنين الأمريكيين. فبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي، يبلغ متوسط دخل الأسرة الوطني 89,050 دولارًا، في حين يصل متوسط دخل الأسر الهندية إلى نحو 151,200 دولار (وفقًا لأبحاث مركز بيو). ويُعزى هذا الفارق بدرجة كبيرة إلى تدني معدلات التعليم العالي بين شرائح واسعة من المواطنين الأمريكيين، في مقابل ارتفاعها لدى الأمريكيين من أصل هندي، حيث تشير الإحصاءات إلى أن 77% ممن تبلغ أعمارهم 25 عامًا فأكثر يحملون شهادة البكالوريوس أو أعلى. كما يتولى هنود مناصب قيادية في شركات كبرى مثل جوجل، ومايكروسوفت، ونوفارتس، وأدوبي، وآي بي إم، وشانيل، وميكرون تكنولوجي، وبالو ألتو نتوركس، وكادنس. هذا النفوذ الهندي المتنامي داخل الولايات المتحدة لا يبدو محل ترحيب من جانب إدارة ترامب.
وبينما يعاقب ترامب الهند برسوم جمركية، فإنه في الوقت نفسه يُكثّف تقاربه مع خصمها اللدود باكستان. استضاف ترامب رئيس أركان الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، على غداء خاص في البيت الأبيض، وأعلن عن زيادة التعاون، بما في ذلك إبرام صفقة نفطية.
قد تهدف الاستراتيجية الأمريكية إلى تعزيز نفوذ باكستان كقوة فاعلة ضد الهند. ومن المفارقات أن الصين اتبعت استراتيجية مماثلة لعقود، حيث عززت قوة باكستان العسكرية. لكن التقارب الجديد بين الصين والهند قد يُزعزع هذه التحالفات الراسخة. إذا تعمقت الوفاقية الصينية الهندية، فقد تجد باكستان نفسها فجأة معزولة بين جارتيها الكبيرتين. في الوقت نفسه، تُكثّف باكستان تعاونها مع إيران، مما يفتح الباب أمام خيار استراتيجي آخر. وفي هذا السيناريو المعقد، أمام إسلام آباد عدة خيارات، إما التوجه نحو الولايات المتحدة، أو التوجه بشكل أقوى نحو إيران، أو حتى الانضمام إلى تحالف البريكس.
كما أن اقتصاد باكستان أصغر بعشرة مرات من حجم الاقتصاد الهندي، وتعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات الخارجية، وتعاني من أزمات سياسية واقتصادية متكررة. هذا يعني أن باكستان لا تملك الثقل الاقتصادي أو السياسي لتعويض موقع الهند في الاستراتيجية الأمريكية، لكن أقصى ما يمكنها هو تقوية باكستان لإزعاج الهند أو الضغط عليها.
هل الشراكة بين الهند والصين ممكنة أم أنها مجرد مناورة؟
بالنسبة للهند تشكل المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة أيضًا فرصة لترتيب بيتها الداخلي من أجل مناخ أكثر ملاءمة للنمو السريع، سواء داخلها أو بالشراكة مع الدول الأخرى ولعل هذه الفترة تمثل فترة حاسمة بالنسبة للهند في سعيها إلى الحصول على مكان في النظام العالمي الجيوسياسي الناشئ حديثا.
تعتبر قمة منظمة شنغهاي التي عقدت في الصين أواخر شهر أغسطس 2025، نقطة مفصلية في مستقبل العلاقات بين الهند والولايات المتحدة، بل والغرب كاملا، واكتسبت القمة أهمية خاصة نظرا لمشاركة رئيس الوزراء الهندي، الذي وطأت قدمه الأراضي الصينية لأول مرة منذ سبع سنوات. يُنظر إلى حضوره كإشارة واضحة للولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب.
تتجاوز أهمية الاجتماع في جمهورية الصين الشعبية التعاون الإقليمي، حيث استخدمت الصين القمة لإظهار كيف يمكن أن يبدو النظام الدولي بعد الولايات المتحدة، وبعث رسالة بأن جميع جهود البيت الأبيض لاحتواء الصين وإيران وروسيا، والآن الهند، منذ يناير، لم تُحقق النتيجة المرجوة.
تحسنت العلاقات بين الصين والهند بعد سنوات من الجمود. في عام 2020، اندلعت اشتباكات دامية عند ما يسمى “خط السيطرة الفعلية”، وهو الحدود الفعلية بين الهند والصين في جبال الهيمالايا. ويُقال إن عشرين جنديا هنديا و43 جنديا صينيا قُتلوا. وفي أكتوبر 2024، أبرم البلدان اتفاقًا يهدف إلى منع مثل هذه الاشتباكات على الحدود المتنازع عليها.
وعلى الرغم من ذلك تعتمد الهند على الصين في 80% من مكوناتها الإلكترونية، و70% من موادها الخام الكيميائية، و90% من معادنها الأرضية النادرة، فهل هذه الاعتمادية بالإضافة إلى المقومات الكبيرة مثل الخبرات والمساحات الهائلة وعدد السكان الكبير لكلا البلدين، سيمثلان فرصة كبيرة للتعاون، أم أن التنافس سيكون سيد الموقف، رغم التفاؤل، يرى الخبراء أنه سيكون من الصعب التغلب على انعدام الثقة الاستراتيجي بين البلدين على المدى القصير. وحتى اليوم، يحتفظ كلا البلدين بما يتراوح بين 50,000 و60,000 جندي متمركزين على حدودهما المشتركة.
أما من جهة علاقة الصين مع روسيا، فثمة حديث عن احتمال شراء الهند للطائرة المقاتلة الروسية سو-57، متجاهلةً عرض ترامب بيع طائرة إف-35 الأمريكية، وكشف هذا التحدي من جانب الهند عن حدود استراتيجية ترامب في استخدام التعريفات الجمركية والاتفاقيات التجارية كأدوات لإجبار الدول على قبول مطالبه. وبينما قد تكون هذه الاستراتيجية قد نجحت مع دول أخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، إلا أنها لم تنجح مع الهند.
كانت رسالة قمة منظمة شنغهاي للتعاون واضحة، فالعالم لم يعد متمركزا حول الولايات المتحدة، وبرزت قوة بديلة. أوضحت الهند والصين وروسيا أن الولايات المتحدة لم تعد صاحبة القرار، وأن الدول الأخرى ستتخذ قراراتها بنفسها. ظن ترامب أن اقتصاد الهند سينهار تحت وطأة الرسوم الجمركية الأمريكية، لكن هذا لم يحدث. أوضحت الهند استعدادها لتحويل تجارتها إلى دول أخرى إذا استمرت الولايات المتحدة في ابتزازها.
نوقشت بعض الخطط الرئيسية في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، بما في ذلك إنشاء بنك تنمية جديد تابع للمنظمة، والذي سينافس بشكل مباشر المنظمات الغربية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. أعلن شي جين بينغ عن منح بقيمة ملياري يوان صيني (280 مليون دولار أمريكي)، بالإضافة إلى 10 مليارات يوان صيني (1.4 مليار دولار أمريكي) أخرى كقروض لأعضاء منظمة شنغهاي للتعاون.
يُعدّ تحسين العلاقات مع الصين، العدو التقليدي للهند، خطوةً كبيرةً اتخذتها حكومة مودي لتحدي ترامب. وخلال القمة، دارت أحاديث عن نظام عالمي جديد يضم دول الجنوب العالمي، في تحدٍّ مباشر للولايات المتحدة. ومن المهم أن روسيا اقترحت إحياء ترويكا روسيا والهند والصين القديمة
وكان من المفترض أن تكون ترويكا روسيا والهند والصين بمثابة ثقل استراتيجيٍ موازنٍ للهيمنة الأمريكية بعد نهاية الحرب الباردة. وبينما ترحب الصين بالمقترح، لا تزال الهند غير مُلتزمة. لكن هذه التطورات أوضحت أن الهند ستبتعد عن الولايات المتحدة، بدلاً من الاستسلام، إذا استمرت سياسة ترامب.
هنالك قلق أمريكي أيضا من أن تقوي الهند علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي، لتعويض ما قد تخسره بسبب حرب الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة، فبينما أدان ترامب علاقات الهند الوثيقة مع الصين وروسيا التي عُرضت في قمة منظمة شنغهاي للتعاون، فإن الاتحاد الأوروبي لا يُبدي أي معارضة، ويسعى جاهدًا لتحسين العلاقات بين الهند والاتحاد الأوروبي.
أجرى رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا اتصالا هاتفيا مشتركا مع رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وخلال المكالمة، رحب الطرفان بالتقدم المحرز في تعزيز العلاقات الثنائية بين الهند والاتحاد الأوروبي في مجالات رئيسية تشمل التجارة، والتكنولوجيا، والاستثمار، والابتكار، والاستدامة، والدفاع، والأمن، إضافةً إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد. كما أكدا التزامهما بالعمل على الإسراع في اختتام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين، وتنفيذ مشروع ممر IMEEC.
من جانبها تضغط رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني من أجل الإسراع في إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند، معتبرةً إياها بالغة الأهمية لتحقيق التوازن الجيوسياسي والعلاقات الاقتصادية. وتتمثل الاستراتيجية الشاملة في الحفاظ على تقارب نيودلهي الوثيق مع الغرب، على ما يبدو محاولة لمنع انحياز الهند الكامل نحو المعسكر الآخر. وتشير قراءة سطحية إلى أن رئيس وزراء هندي يتحالف مع خصوم النظام الغربي، إلا أن ما يقوم به رئيس الوزراء الهندي يتفق تماما مع سياسة الهند الراسخة المتمثلة في التحالفات المتعددة، ولا يشير إلى انحراف استراتيجي عن أوروبا أو الولايات المتحدة، كما أوضحت ميلوني لحكومتها.
لا تنوي الهند التخلي عن محور الديمقراطيات؛ بل تسعى بدلاً من ذلك إلى الاعتراف بدورها المحوري في الاستراتيجية الأوسع لاحتواء الصين. ومن اللافت للنظر، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون، زيارة مودي إلى اليابان، مؤكداً أن حجر الزاوية الحقيقي لاستراتيجيته يبقى منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة – وهو ما يتماشى بشكل وثيق مع رؤية رئيس الوزراء الراحل شينزو آبي، الذي كان بمثابة منارة للسياسة الغربية في المنطقة.
وعبّر تشارلز كوبشان، الأستاذ في جامعة جورج تاون والشخصية الرائدة في العلاقات الدولية، عن وجهة نظر الهند بشأن عدم انحيازها للصين وروسيا. أكد أن الهند لم تُدر ظهرها للغرب، بل إنها ببساطة تلعب بأوراقها.
أفادت مصادر بأن الهند ودول الاتحاد الأوروبي، رأوا فرصة سانحة في ظل المناخ الجيو-اقتصادي والجيو-سياسي الحالي، بالنظر إلى الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب على شركاء استراتيجيين للولايات المتحدة مثل الهند والاتحاد الأوروبي. وتحرص دلهي على إبرام الاتفاقية مع الاتحاد الأوروبي بحلول نهاية العام، وتتطلع إلى إبرام اتفاقية تجارية شاملة.
وأضافت المصادر أن إجراءات الإدارة الأمريكية “تحفز” المفاوضات بين الهند والاتحاد الأوروبي، مما يسمح بإبرام الاتفاقية بحلول نهاية العام. وسيكون ذلك في الوقت المناسب قبل قمة قادة الهند والاتحاد الأوروبي مطلع العام المقبل، وهو الموعد النهائي الذي يعمل الجانبان على التوصل إليه.
بصفته أحد أكبر الشركاء التجاريين للهند، بلغت قيمة تجارة السلع مع الاتحاد الأوروبي 124 مليار يورو في عام 2023، أي ما يعادل 12.2% من إجمالي التجارة الهندية. شكلت الهند 2.2% من إجمالي تجارة السلع للاتحاد الأوروبي في عام 2023. وبلغت تجارة الخدمات بين الاتحاد الأوروبي والهند 59.7 مليار يورو في عام 2023، ارتفاعا من 30.4 مليار يورو في عام 2020.
أمام هذا السيناريو قد يجد ترامب أن الولايات المتحدة قد تصبح معزولة تجاريا بسبب سياسة الرسوم الجمركية، حيث تفقد الولايات المتحدة ثقة حلفائها، هذه الإجراءات قد تدفع ترامب إلى التراجع عن مواقفه تحت الضغط الخارجي والداخلي، في نفس الوقت فإن من مصلحة أمريكا أن تستعين بأوروبا كقناة وسيطة لإبقاء الهند قريبة من الغرب، وإبقائها في المعسكر الغربي الأوسع بدل أن تنزلق تماماً نحو محور روسيا–الصين. بهذا الشكل، أوروبا تخدم مصالحها الخاصة وتخدم واشنطن بشكل غير مباشر.
الاستنتاجات
ـ كان الهدف من تصعيد ترامب للتعريفات الجمركية معاقبة الهند على علاقاتها مع موسكو، لكنه بدلًا من ذلك دفع نيودلهي نحو بكين. يُهدد هذا التحول المصالح الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تُمثل الهند ثقلا موازنا حاسما للصين.
ـ مع تزايد تشكيك وسائل الإعلام في قدرته على إدارة التحالفات، يُعدّ تأكيد ترامب على صداقته مع مودي خطوةً محسوبةً لإسكات المنتقدين واستعادة صورة الكفاءة الدبلوماسية. من خلال التأكيد على “علاقة خاصة” مع الهند، يسعى ترامب إلى تحويل الخطاب بعيدًا عن المواجهة نحو التعاون، حتى لو ظلت التوترات الكامنة دون حل.
ـ الخلاف مع الولايات المتحدة وضع ضغوطاً على التحالف الرباعي (الولايات المتحدة، الهند، اليابان، أستراليا). هناك حديث عن احتمال تفككه إذا استمرت الأزمة. في المقابل، تسعى الهند لتقوية شراكاتها داخل منظمة شنغهاي والتقارب مع أوروبا عبر مفاوضات اتفاقية تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي.
ـ الهند تؤكد أنها لن تخضع لضغوط خارجية، سواء في ملف النفط الروسي أو في تحرير السوق الزراعية. هذه المواقف تعكس تمسكها بالسيادة الاقتصادية والسياسية، وسعيها إلى سياسة متعددة المحاور لا تنحاز كلياً لا للغرب ولا للشرق.
ـ رغم أن الهند اقتصادياً قد تتأثر أكثر بالرسوم الجمركية، إلا أن واشنطن تخاطر بخسارة حليف استراتيجي مهم في آسيا. كما أن هذه السياسات قد تؤدي إلى عزل أمريكا تجارياً، وتدفع دول البريكس والاتحاد الأوروبي نحو بناء بدائل للنظام المالي والتجاري العالمي المهيمن عليه أمريكياً.
المصادر:
- موقع (tele polis) في 12 أغسطس 2025
- موقع (Frankfurter Rundschau) في 31 أغسطس 2025
- موقع (times of india) في 3 سبتمبر 2025
- موقع (Opindia) في 5 سبتمبر 2025
- موقع (handelsblatt) في 8 سبتمبر 2025







